للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا قِياسٌ منه فاسدٌ مِن عِدَّة أوجُه:

أوَّلها: أنَّ ظاهرَ كلِّ نَصٍّ بحسبِه، فلا يَلزم مِن اتِّفاقِ نصَّينِ في العبارةِ أو بعض الألفاظِ، أن يتَّفِقا في ظاهرِ المَعنى المُرادِ.

وشاهدُنا على ذلك: الآية نفسُها الَّتي استدلَّ بها المُعترض مِن سورة الرُّوم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، فهي «لا تُنافي الآيات الدَّالة على خلقِ حوَّاء مِن آدم؛ لأنَّه لا يَتَوَهَّم أحدٌ أنَّ خلْق أزواجِنا مِن أضلاعنا! ولا خلق أزواج نبيِّنا من ذلك؛ بل واضحٌ أنَّ الأنفس هنا مُطلقة بإزاء الأجناس، والقرينة: عَدمُ صِحَّة الحقيقة» (١).

فلا يصحُّ إذن أن يُقال في الآية: ظاهرُها أنَّ زوجاتِنا خُلِقْنَ مِن ذَواتِنا مَعاشرَ الرِّجال؛ فليس الظَّاهر منها ذلك أصلًا! لأنَّ الظَّاهرَ مِن كلِّ نَصٍّ ما تَبادر إلى فهم المُخاطَب، ورُكنُ ذلك مُراعاةُ سِياق الكلام، والقرائن، واستحضار باقي النُّصوص.

بل الظَّاهر الحَقُّ منها أن يُقال: إنَّ الله خلقَ لكم نسائَكَم «مِن شكلِ أنفسِكم وجِنسِها، لا مِن جنسٍ آخرَ، وذلك لما بَين الاثنين مِن جنسٍ واحدٍ من الإلفِ والسُّكون، وما بين الجنسين المختلفين مِن التَّنافر» (٢).

فهذا الَّذي نزعمُ أنَّه المُتوافق مع سياقِ الآية المقرِّرة لمعنى الامتنانِ على الزَّوجين بالمَودَّة والرَّحمة.

فإذا تحقَّقنا هذا الأصل؛ فإنَّ الآيتين اللَّتين استشهد بهما المُعترض قد افترقتا مِن الأساسِ عن آيةِ النِّساءِ في اللَّفظِ نفسِه! فإنَّهما وَرَدتا بالفعلِ (جَعَل)، بخلافِ آية سورةِ النِّساء حيث وَرَدت بالفعلِ (خَلَق).

وبين الفِعلَينِ فَرقٌ لِمن تَدبَّر! وهذا الاختلافُ في اللَّفظ مَقصودٌ للمُتكلِّم به سبحانه، بل هو مِن إعجازِ القرآن في بلاغتِه! وذلك لأنَّ آية النِّساء لمَّا كانت في


(١) «الأيادي البيضا» لعبد الرحمن النتيفي (ق ١٢٨/ب) مخطوط.
(٢) «الكشَّاف» للزمخشري (٣/ ٤٧٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>