للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا الحملِ على الحقيقةِ، لا يَمنع منه ما جاءت به رواية أخرى للحديثِ بلفظ التَّشبيه: «إنَّ المرأة كالضِّلع .. »، لأنَّ قولنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبرَ بخلقِ حوَّاء مِن ضلع آدم حقيقةً، لا يَعني نَفْيَنا للمقصِد الَّذي سِيقَ لأجله الحديث، وهو: اشتراكُ جملةِ النِّساءِ في صِفةِ الأصل الَّذي خُلِقن منه، وهي صفةِ الاعوجاج في الضِّلع.

يقول ابن حجر: «المعنى أنَّ النِّساء خُلِقْنَ مِن أصلِ خَلقٍ مِن شيءٍ مُعوجٍّ، وهذا لا يخالِف الحديثَ الماضي مِن تشبيهِ المرأة بالضِّلع، بل يُستفاد مِن هذا نكتةُ التَّشبيه، وأنَّها عوجاء مثله، لكونِ أصلِها منه» (١).

فما علينا بعدَ كلِّ ما سُقناه مِن دلائلَ على رجحانِ هذا الفهم للآيات والحديثِ النَّبويِّ، أن يأتي في مثلِ سِفْر التَّكوين خَبرٌ يوافق هذا التَّقرير الشَّرعيَّ! فقد عرَّفنا القارئَ الكريم قبلُ أنَّ ما جاءَ في صُحُف أهلِ الكتابِ مِمَّا يوافق نصوصَ دينِنا، هو ممَّا يعضُد هذه، ويَشهد لتلك بسلامةِ أصلِها مِن التَّحريف، فلا يَلزم أن يكون ما عندنا مِن أخبارٍ شرعيَّةٍ مُستَلًّا مِن تلك الصُّحف بدعوى التَّطابق، مادُمنا نقول بأنَّ مَصدر الوَحيِ الصَّحيح فيهما واحد (٢).

فهذا مجمل الردِّ على دعوى المعترضِ في شُبهته الأولى.

وأمَّا دعواه في شبهته الثَّانية تَنقُّصَ الحديثِ للمرأةِ واحتقارها بوصفِها بالاعوجاجِ، وأنَّها مجرَّد تابِعٍ للرَّجل؛ فيُقال في تفنيدِها:

قد قدَّمنا الإشارةَ في ما سَلَف إلى أنَّ الحديثَ يُبِين عن وجهِ الشَّبَهِ بين المرأةِ والضِّلع الَّذي خُلِقت منه، وهو صِفة الاعوجاجِ، الَّذي هو في الضِّلع خَلْقًا، وفي المرأةِ خُلُقًا، والمَقصود بالاعوجاجِ في الحديثِ خاصٌّ بسلوكِ المرأةِ


(١) «فتح الباري» (٩/ ٢٥٣).
(٢) أمَّا مَن رجَّح أنَّ المُراد من آية النِّساء ومثيلاتها: كون حوَّاء خُلقت مِن جنسِ آدم وشاكلتِه، وأنَّ الحديث سِيق على جهةِ التَّمثيل بالضِّلع الأعوجِ لاضطرابِ أخلاقهنَّ، واعوجاجهنَّ مع أزواجهنَّ فلا يثبُتن معه على حالة واحدة: فأصحاب هذا القول الثَّاني بتأويلهم هذا خارجون بالمرَّة عن دائرة الاتِّهامِ بالإسرائيليَّة.

<<  <  ج: ص:  >  >>