للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أتَمُّ مِن الأولى، وهي عندهم على «التَّقديمِ والتَّأخيرِ في المعنى: أي لا يَقتل مؤمنٌ ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ؛ فيكون الكافر المُراد بذلك هو: الكافر غير ذي العَهد» (١).

فالمُراد -إذن- بالكافر: الحَربيُّ، لأنَّ الكافر عندهم متى أُطلِق، يَنصرِفُ إلى الحربيِّ عادةً وعُرْفًا، فصَرَفوا الحديث إليه، توفيقًا بينه وبين عمومات القرآن، وما يَروُونَه أيضًا مِن آثارٍ في هذا الباب، كحديث جابر رضي الله عنه: «أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وقال: أنا أَحَقُّ مَن وَفَى بِذِمَّتِهِ» (٢).

فهذه جملةُ الأحاديث المَشهورة الَّتي ادُّعِي على أبي حنيفةَ إنكارها، وهي في «الصَّحيحين» أو أحدِهما، قد لاحَت براءتُه عن دعوى إنكارِ متونها، ولله الحمد.

الفرع الثَّاني: عدم صحة المَقولة المَنسوبة إلى أبي حنيفة في عرضِ الحديث على القرآن.

ولا يصحُّ استدلال المُعاصرين بما يُنسَب إلى أبي حنيفة في كتابِ «العالم والمُتعلِّم» مِن تقرير طويل في ضرورة عرضِ الأحاديثِ على القرآنِ، فإنَّ الكتابَ مَطعون النِّسبةِ إليه (٣).

ومَعلومٌ تعظيم أبي حنيفة رضي الله عنه للحديثٍ النَّبويِّ واحتجاجه به، بل «أصحاب أبي حنيفة مُجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفة أنَّ ضعيفَ الحديث عنده أوْلى مِن


(١) «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (٣/ ٢٧٧).
(٢) «الحجة على أهل المدينة» لمحمد بن الحسن (٤/ ٣٣٩)، وانظر «بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ٢٣٧)، و «الاختيار لتعليل المختار» لأبي الفضل الحنفي (٥/ ٢٧)، و «فتح القدير» للكمال ابن الهمام (١٠/ ٢١٩).
(٣) ذكره النَّديم في «فهرسته» (ص/٢٥١) وحاجي خليفة في «كشف الظنون» (٢/ ١٤٣٧)، وقد درس محمد الخميس في كتابه «أصول الدِّين عند الإمام أبي حنيفة» (ص/١٤١) نسبته إلى الإمام أبي حنيفة، وخلُص إلى عدم ثبوته إسناديًا عنه، وإنَّما هي أمال وأقوال جُمعت ونسبت إليه فيما بعد لا تُدرى صحَّتها.
ومن ثمَّ يخطئ من يعتمد على الكتاب لنسبة مذهبٍ إلى أبي حنيفة، كما فعله علي الخضر في رسالته «الموازنة بين منهج الحنفية ومنهج المحدثين» (ص/٤٩٠ - ٤٩١).

<<  <  ج: ص:  >  >>