للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

يقول: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (٦٧)؟ يا بخيل، خذ رأس مالك وتصدّق بالباقي فإن مثل هذا الكريم يتاجر [معه] (٦٨)».

قال أبو بكر الصقلّي، وكان من رجال يحيى بن عمر: «كنت أخدم أبا هارون الأندلسي، وكان أبي كثير الصحبة له. قال: فجئت معه يوما إلى حانوت حجام عند «المسجد الجامع بسوسة» ليأخذ له من شعره، فوجدنا الحجام يحلق رأس رجل، فسلمنا وجلسنا ننتظر فراغه حتى أتى رجل من أهل الدنيا، فسلم وجلس، فرد عليه الحجام، وقال له: «ارتفع يا سيدي»، وأعظمه. قال: فلما قام الرجل الذي بين يديه قال للرجل الدنيائي (٦٩): «اعزم يا سيدي» وصبّ على رأسه، ولم يلتفت إلى أبي هارون».قال أبو بكر: «فغضبت من فعل الحجام، إذ لم يعط‍ الشيخ حقه ولا سيما أنه سبق، فقلت للشيخ بيني وبينه: «قم بنا إلى غيره»، فقال لي:

«لا» فقلت له: «ألا تراه قدم عليك رجلا من أهل الدنيا، وأنت سبقت، ولم يعرف قدرك؟ » فأشار إليّ أن أسكت فسكت ولم أقدر أخالفه. فلما فرغ من الرجل بلّ الشيخ رأسه وجلس بين يديه، وحلق رأسه. قال: وحلقت رأسي بعده، فلما فرغنا أخرج الشيخ أبو هارون من جيبه خرقة حلّها وأخرج منها دينارين ودفعهما إلى الحجام وخرج، فبقي الحجام باهتا ينظر إليه. فلما خرجنا قلت للشيخ: «لم فعلت هذا، أصلحك الله؟ هذا رجل لم يعرف قدرك، وقدم عليك من سبقته أنت دوننا ككلّ (٧٠) من له دنيا، وحقرك، فأعطيته دينارين ليس معك غيرهما» فقال لي: «إنما أردت أن أقيم جاه الفقر والفقراء عنده حتى لا يعود أبدا يقدم دنيائيا على فقير ولا يرى فقيرا (٧١) إلا نظر إليه بعين الجلالة».قال أبو بكر: «فمشينا قليلا، فلما جاوزنا الجامع لقينا قوما عليهم أثر السفر، فسلّموا على الشيخ أبي هارون وقبلوا رأسه وبجلوه، ودفعوا له صرة وقالوا له: «فلان يقرأ عليك السلام ووجه إليك بهذه الصرة» فأخذها منهم، فمشينا قليلا ففتحها فعد فيها عشرة دنانير فقال لي: «يا أبا بكر، أقمنا جاه الفقراء


(٦٧) سورة الأنعام الآية ١٦٠.
(٦٨) زيادة من الناشر السابق.
(٦٩) كذا جاء هذا اللفظ‍ معجما. وورد في الجزء الثاني مهملا فقرأناه الدنيائي والمقصود واضح.
(٧٠) في الأصل: لكلّ.
(٧١) في الأصل: فقير.