للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

["وكتب بعض الأدباء مناظرة بين الهواء والماء"]

الحمد لله الذي رفع فلك الهواء على عنصر التراب والماء "أما بعد" فأنا (الهواء) الذي أؤلف بين السحاب وأثقل نسيم الأحباب وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب وأنا الذي سير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح وطار بي في الجو كل ذي جناح وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القنا إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهواً وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو لا أتلون مثل الماء المتلون بلون الإناء: لولاي ما عاش كل ذي نفس ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان ولا غرد طائر على غصن بان ولولاي ما سمع كتاب ولا حديث ولا عرف طيب المسموع المشموم من الخبيث، فكيف يفاخرني الماء الذي إذا طال مكثه ظهر خبثه وعت فوقه الجيف وانحطت عنده اللآلئ في الصدف فقال (الماء) الحمد لله الذي خلق كل حي (أما بعد) : فأنا أول مخلوق ولا فخر وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر وأنا الجوهر الشفاف المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله في جميع الجواهر حتى اللآلئ والأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها وأخرج منها للعالم جميع أقواتها وأكسو عرائس الرياض أنواع الحلل وأنثر عليها لآلئ الوبل والطلل حتى يضرب بها في الحسن المثل كما قيل:

إن السماءَ إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر

فكيف ينكر فضلي من دب أو درج وأنا البحر الذي قيل عنه في الأمثال (حدث عن البحر ولا حرج) وأما أنت أيها الهواء فطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك ولا تقوم جنتك بسعيرك.

<<  <  ج: ص:  >  >>