للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الانقياد للمحب شرط في ثبوت المحبة الصادقة]

قال المؤلف رحمه الله: [وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب، فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:١٨]].

يعني: كأنه عندما ادعى أنه محب لله ظن أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأن الحبيب يستحي من حبيبه ولا يعاقبه، فهذا فهم فاسد، وهو كفهم اليهود عندما قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:١٨] يعني: إذا قيل لهم: لماذا تحرفون الكتاب؟ لماذا تعتدون؟ لماذا تفعلون الزنا؟ لماذا تقومون بأكل الربا؟ اعتذروا وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:١٨].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى لهم: {قُُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:١٨]، فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين، ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة، بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.

فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغضه ويبغض منه ذلك، كما يحب عبده المؤمن ويحب منه ما يفعله من الخير، إذ أن حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه، وعدم تداويه منه لصحة مزاجه.

ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي كان فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، علم ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كان أرفع الناس مقاماً، فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفاً بمحابه ولا مريداً لها بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جهلاً وظلماً كان ذلك سبب بغض المحبوب له ونفوره عنه، بل سبباً لعقوبته.

وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من الجهل بالدين].

كلمة (السالكين) كثيراً ما يستخدمها شيخ الإسلام رحمه الله، ويقصد بها أحياناً: المتعبدين عموماً، وأحياناً طوائف من الصوفية.

<<  <  ج: ص:  >  >>