للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[وجوب إخلاص العبودية لله تعالى]

قال: [كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:٥٧].

وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلباً وإرادةً وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.

وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله.

ومن لم يكن محباً مخلصاً لله، عبداً له، فقد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه].

بل إن شيخ الإسلام في هذا الكتاب أو في غيره قرر أنه حتى الحاكم الذي يكون له جنود، ويكون له أتباع يطيعونه، إلا أنه محتاج إليهم، مفتقر إليهم، بسبب أن انتظام ملكه وسطوته لا تتم إلا بهم، ولهذا فهو محتاج إليهم، مفتقر إليهم، كما أنهم محتاجون إليه، مفتقرون إليه؛ ولهذا يجب على العبد دائماً أن تكون حاجته عند الله، وطلبه من الله، وتعلقه بالله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يحب إلا الله، ولا يتعلق قلبه إلا بالله، فإن العباد لا يملكون شيئاً، والذي يملك في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.

ورزق العبد في كل باب من الأبواب المتكفل بها هو الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا ينبغي على العبد دائماً أن يبتعد عن الحرص فيما في أيدي الناس، وأن يكون قلبه معلقاً بالله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في بعض كلام بعض الحكماء أنه قال: أذل الحرص أعناق الرجال يعني: قد يوجد بعض الرجال الأعزاء الذين لا ينتبهون لهذه القضية، يذلهم الحرص، فتجد أنه لحرصه على الدنيا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحرصه على الدنيا يترك الطاعة، ولحرصه على الدنيا يترك كل ما فيه خير في صلاح دينه ودنياه، مع أنه في الحقيقة لا يملك دنيا هذا الإنسان إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس).

ولهذا لو تأملنا في واقع الحياة فسنجد أن الناس لا يحبون الذي يحتاج إليهم ويتعلق بهم، حتى ولو داهنهم، لكن المستغني عنهم تجد أن تعظيم الناس للزاهد فيما في أيديهم، والمستغني عنهم أكبر وأعظم.

وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله في المجلد الأول في الفتاوى إلى حكمه لطيفة يقول: (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واترك من شئت تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره)، فأنت إذا احتجت إلى أي أحد من المخلوقين تكون أسيراً له، لكن يجب على الإنسان أن يعلق حاجته بالله سبحانه وتعالى، وأن يجتهد في التعامل مع الخلق بالأسلوب الحسن، ويقدم طاعة الله عز وجل على كل شيء.

<<  <  ج: ص:  >  >>