للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الجوزي: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، يرثي له (١).

وإنما أمره - صلى الله عليه وسلم - بركوبها مخالفة لسيرة الجاهلية في مجانبة الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحامي، وإهمالها بلا انتفاع بها، حتى نقل عن بعض العلماء وجوب ركوبها؛ لهذا المعنى، ولمطلق الأمر.

وفي هذا الحديث دليل على جواز ركوب البدنة المهداة، وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب، مع الاتفاق على تحريم الإضرار بها، فقال الشافعي - رحمه الله -، وابن المنذر، وجماعة، ورواية عن مالك: يجوز ركوبها لحاجة، ولا يجوز من غير حاجة، وقال مالك في الرواية الأخرى، وأحمد، وإسحاق: له ركوبها من غير حاجة، وهو قول عروة بن الزبير من التابعين، وأهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا ألا يجد منه بدًا.

وتقدم نقل وجوب الركوب عن بعض العلماء، والدليل على عدم الوجوب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. وفي رواية في "صحيح مسلم"، عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئتَ إليها، حتى تجدَ ظهرًا" (٢)، وهي رد على عروة بن الزبير وموافقيه، والله أعلم.

وفيه دليل: على أن الكبير القدوة، إذا رأى ما فيه مصلحة تتعلق ببعض أتباعه، أن يأمره بها.

وفيه: المبادرة إلى قبول الأمر.

وفيه: أنه إذا لم يبادر إلى قبوله، زُجر بالكلام الغليظ بعد تَنْبيهِهِ على الأمر ثانيًا وثالثًا.

وفيه: جواز مسايرة الكبار في الركوب في السفر ونحوه، والله أعلم.


(١) انظر: "غريب الحديث" لابن الجوزي (٢/ ٤٨٦).
(٢) رواه مسلم (١٣٢٤)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -.

<<  <  ج: ص:  >  >>