وقوله:"بادَرَني عبدي بنفسه": فيه إشكال أصولي، يتعلق بالآجال، ولا شك أن أجل كل شيء حينه ووقته، يقال: بلغ أجله؛ أي: تمَّ أمدُه، وجاء حينُهُ، وليس كل وقت أجلًا، ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور، وأما علمه، فلا يتغير.
فعلى هذا: يبقى قوله: "بادرني عبدي بنفسه" محتاجًا إلى التأويل؛ فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت، فقدم عليه.
واعلم أن الكلام في هذا المحل على ضربين:
أحدهما: ما يتعلق بعلم الله تعالى، وعلمُ الله لا يتصور أن يقع الأمر فيه على خلاف ما وقع به علمه -سبحانه وتعالى-.
والثاني: ما يقع بحكمه الطلبي مما وقع به علمه -سبحانه وتعالى-، وهو ألَّا يكون وقوعه بسبب فعلي من العبد على خلاف حكمه الطلبي، فعلى هذا يتأول قوله:"بادرني عبدي بنفسه"، فيكون لله -عَزَّ وَجَلَّ - فيه علمان؛ علم سابق، وعلم حادث، فالمبادرة وقعت لعلمه الحادث، لا لعلمه السابق، وأن كل واحد منهما معلوم عنده -سبحانه وتعالى- والله أعلم.
وقوله:"حرمتُ عليه الجنةَ": قد يستشكل ذلك؛ من حيث إن تحريم دخول الجنة يقتضي تحريم الأبد، فيتعلق به من يرى وعيد الأبد.
وجوابه: أنه يُؤوَّل عند غيرهم: على تحريم الجنة بزمان مخصوص، كما يقال: لا يدخلها مع السابقين، أو بحالة مخصوصة، بأن يكون فعل ذلك مستحلا له، فيكفر به، فيكون مخلدًا بكفره، لا بقتله نفسه.
وفي الحديث أحكام:
منها: تحريم قتل النفس، سواء كانت نفس الإنسان أو غيره؛ فإن نفس الإنسان ليست ملكه؛ فيتصرفَ فيها على حسب ما يراه، بل على حسب الأمر والنهي الشرعيين.
ومنها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه، وحال المحدث في ضبطه وعدم