للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيه، واتَّخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. وكان عمر - رضي الله عنه - أؤل من اتَّخذ الجدار للمسجد الحرام، ثمَّ تتابع الناس على عمارته وتوسيعه؛ كعثمان، وابن الزُّبير - رضي الله عنهم -، ثمَّ عبد الملك بن مروان، ثمَّ ابنه الوليد، ثمَّ المنصور، ثمَّ المهديِّ، واستقر بناؤه على ذلك إلى وقتنا.

ويجوز الطَّواف في جميع ذلك، وكذلك الاعتكاف.

ولو وسِّع المسجد شيئًا آخر، جاز الطَّواف والاعتكاف في جميعه.

واعلم أنَّ المسجد الحرام يطلق، ويراد به هذا المسجد، وهذا هو الغالب، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكَّة، وقيل هذان الأمران في قول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٦]، والله أعلم.

وفي هذا الحديث أحكام:

فنها: لزوم النَّذر للقربة، وقد يستدلُّ بعمومه للزوم الوفاء بكلِّ منذور.

ومنها: صحَّة النَّذر من الكافر، وهو وجه في مذهب الشَّافعي، والأشهر: لا يصحُّ؛ لأن النَّذر قربة، والكافر ليس من أهل القرب، فعلى هذا؛ يحتاج إلى تأويل هذا الحديث -في أمره بالوفاء بالنذر- على أنَّ المراد به نيَّة فعل الاعتكاف في الجاهلية، فأطلق عليه أنَّه منذور؛ لشبهه به، وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطَّاعة.

وعلى هذا؛ يكون قوله: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" من مجاز الحذف، أو من مجاز التَّشابه، لكنَّ ظاهر الحديث خلافه، فإن دلَّ دليل أقوى من هذا الظاهر على أنَّه لا يصحُّ اعتكاف الكافر، احتيج إلى هذا الدليل، وإلَّا فلا، وقد حمل من قال: النَّذر لا يصحُّ من الكافر الأمرَ في حديث عمر - رضي الله عنه - على الاستحباب، فظاهر الأمر يقتضي الوجوب، كيف ونصَّ الشَّافعي - رحمه الله - على كراهة الابتداء بالنَّذر، ووجوب الوفاء به، بلاخلاف، وأنَّه لا يصحُّ بالنيَّة،

<<  <  ج: ص:  >  >>