للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في شرح التّلخيص عن بعض أهل العراق إنّهم يفتحون العين من عمر، وساق حكاية أنّه دخل عليه رجل ممّن غلب على لهجته فتح عين عمر، فلمّا نطق بذلك ضحك منه الحاضرون، قال: فلم يدر سبب ضحكهم، قال: فضممت عيني ففطن لذلك، فعجب الحاضرون من سرعة فهمه.

كان - رحمه الله تعالى - في ابتداء أمره رجلا جزّارا ضاقت عليه الحيل في معيشته، فلمّا جاء أوان الرّبيع خرج النّاس لزيارة أهل الخير بالسّاحل (٥٩٦)، فخرج معهم من ضيق الحال ولمّا / وصل لبلاد جمّال وجد اللّيم الحلو (٥٩٧) فأخذ مقدار خمسين واحدة، وكان للشّيخ سيدي عامر المزوغي بنت مريضة إشتهت اللّيم الحلو فلم يجدوه مع شدّة الطّلب، فلمّا وصل لزاوية سيدي عامر (٥٩٨) بلغه الخبر فأهدى ما معه من اللّيم للشّيخ، فقال له الشّيخ: نلت جميع البركة فأدخله خلوته وألقمه ثديه فما رفع رأسه إلاّ وقد انجذب بهمّة الشّيخ فصار كالولهان، وساح في الأوطان لزيارة الصّالحين قدر سنتين، فلمّا كمل أوانه أشار عليه الشّيخ بالرّجوع إلى صفاقس، ولمّا رجع له صحوه قال:

كانت لغير الله فصارت لله، ما كنت خرجت إلاّ لضيق حالي حتّى وسّع الله من فضله.

ولمّا قدم الباشا لصفاقس أصابته حمّى يوم قوية، فخاف منها فسأل هل في البلد من الأولياء فدلّ هلى هذا الشّيخ، فأحضر بين يديه وشكا إليه مرضه، فوضع يده عليه وقال: لا بأس عليك، غدا - إن شاء الله - يحصل اللّطف والشّفاء، ففرح الباشا بذلك وخرج الشّيخ واشترى شيئا من السمك وطبخه بالسكنجبير المتّخذ من ماء الزبيب والخلّ الطّيب، وجعل فيه شيئا من حوار الأبزار، وبعد إستوائه ونضجه فتّت فيه شيئا يسيرا من خبز الشّعير، ولمّا ساغ شربه أمره بالأكل من فتت الخبز وشرب المرق، فتوقّف في أكل الشّعير فقال: كل وتوكّل على الله فإنّ أصل كلّ خير التّوكّل على الله، فتوكّل على الله وأكل ما تيسّر للبركة، وشرب من المرق بقدر الإستطاعة، ثمّ أمره بالرّقاد / وغطّاه بغطاء ثقيل، وقعد عند رأسه، ومنع خدّامه أن يتولّوا أمره، واشتعلت فيه حرارة الأبزار، وغاصت في أعماق بدنه بالسكنجبير، فلمّا اشتعلت الحرارة طلب كشف الغطاء


(٥٩٦) في خرجات أهل صفاقس في فصل الرّبيع إلى السّاحل، توجّههم للزّيارة في مسيرة تسمّى «حزب» إلى سيدي عامر المزوغي بقرية سيدي عامر وأمّ الزّين بجمّال، ويقيمون بجواره مدّة.
(٥٩٧) نوع من اللّيمون الحلو ويعرف في صفاقس إلى الآن بليم سيدي عامر (أي المزوغي) وليم سيدي عامر من الهدايا التي يرجع بها الصّفاقسيّون إلى أسرهم.
(٥٩٨) الكائنة جنوبي مدينة سوسة.