للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

له يوما أن يطلّق امرأته وكان بحضور العارف أبي العبّاس، فرأى مخطوطا في ثوب الشّيخ:

أمسك عليك زوجك.

قال إبن عربي: شيخنا أبو مدين (٣٤٩) من الثمانية عشر نفسا الظّاهرين بأمر الله عن أمر الله، لا يرون سوى الله من الأكوان، وهم أهل علانية وجهر / مثبتون للأسباب وخرق العوائد عندهم عبادة، قل الله ثم ذرهم، قال: وكان يقول لأصحابه: أظهروا للنّاس ما عندكم من الموافقة يظهر (٣٥٠) للنّاس بالمخالفة، وأظهروا مما أعطاكم الله من نعمه الظاهرة والباطنة، يعني (٣٥١) خرق العوائد والمعارف، فإنه تعالى يقول {وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (٣٥٢) وهذه الطّائفة اختصت باسم الظّهور لكونهم ظهروا في عالم الشّهادة.

وقال في موضع آخر: شيخنا أبو مدين الغالب على قلبه وبصره مشاهدة الحق في كل شيء، فكل حال عنده أعمال فيعلن بالصدقة كما يذكر في الملأ، فان من ذكره في الملأ فقد ذكره في نفسه، فان ذكر النفس متقدم بلا شك، وما كل من ذكره في نفسه ذكره في الملأ فهذه حالة زائدة على الذكر النفسي لها مرتبة تفوق صاحب ذكر النفس، فان ذكر النفس لا يطلع عليه في الحالين فهو سر بكل وجه، فصدقة الاعلان تؤذن بالاقتدار الإلاهي، فمن يخفيها أو يسرّها فهو الظاهر في المظاهر الإمكانية، فهذه كانت طريقة شيخنا.

وكان يقول: قل الله ثمّ ذرهم أغير الله تدعون (٣٥٣) قال: وكان يقول لأصحابه:

أعلنوا بالطاعة حتّى تكون كلمة الله هي العليا كما يعلن هؤلاء بالمعاصي ولا يستحيون من الله. وكان يقول في قوله تعالى {فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (٣٥٤)، فإذا فرغت من الأكوان فانصب قلبك لمشاهدة الرّحمان، وإلى ربك فارغب في الدّوام،


(٣٤٩) بعدها في ط وب وت: «رضي الله عنه».
(٣٥٠) في ط: «ينظر».
(٣٥١) في ط: «ففي».
(٣٥٢) سورة الضحى: ١١.
(٣٥٣) إقتباس من الآية ٤٠ من سورة الأنعام.
(٣٥٤) سورة الشّرح: ٧ - ٨.