للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شرط مسلم؛ لأنَّ أَبانَ بنَ صالحٍ أحدَ رُواته روى له البخاريُّ دون مسلم، ولا يجوزُ أن يقولَ: على شرط البخاري؛ لأن في إسناده محمدَ بنَ إسحاق، والبخاري لم يروِ له أصلًا ولا متابعةً، فتعين أَنْ يكونَ حسنًا، لكن استدلالَ هؤلاءِ به على النسخ ضعيفٌ فيهما، ولا يُصار إليه إلا بعدَ تعذر الجمع، والجمعُ ممكن كما سيأتي.

وفيه مذهبٌ ثالثٌ: أنه لا يجوزُ الاستقبالُ فيهما، ويجوزُ الاستدبارُ فيهما، وهو إحدى الرِّوايتين عن أبي حنيفة، وهو ضعيفٌ جدًّا، ويكفي في الرَّدِّ عليه حديثُ أبي أيوب هذا.

وفيه مذهبٌ رابع: وهو قول الجمهور، وبه قال مالكٌ والشّافعي، وأحمدُ -في إحدى الروايتين- أنه يَحْرُمُ استقبالُ القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهو مرويٌّ عن العباس بنِ عبد المطلب، وابنِ عمرَ -رضي الله عنهم-، ورأى هؤلاءِ الجمعَ بين الأحاديث، وأنه لا يُصار إلى النسخ إلا بالتَّصريح به، أو بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعضِ الأحاديث، واستدلُّوا بحديث ابنِ عمرَ الآتي، وبأحاديثَ أخر، ولِمَا في المنع في البنيان من المشقَّة والتكلُّف لترك القبلة، بخلاف الصحراء.

واعلمْ أن الغائطَ استُعمل في الخارج، وغلبَ على الحقيقة الوضعية، فصار حقيقةً عُرفيَّةً، لَكنْ لا يُقصدُ به إلا الخارجُ من الدُّبر فقط، ويقال: إنه يُقصَدُ به الخارج من القُبل والدُّبر كيفَ كانَ.

وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "وَلكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا" هذا الخطابُ لأهلِ المدينة ومَنْ في معناهم؛ كأهل الشَّام واليمنِ وغيرِهم ممَن قبلتُه على هذا [السَّمْتِ] (١)، فأمَّا من كانت قبلتُه في جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامنُ أو يتشاءمُ -والله أعلم-.


= الطهارة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٣٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحارى، والحاكم في "المستدرك" (٥٥٢).
(١) ما بين معكوفين ليس في "ح".

<<  <  ج: ص:  >  >>