للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المراد صورة الإطلاق من غير تقييد بذكر العقب، ويؤخذ كونه وقعت فيه المواريث من دليل آخر، لكنه بعيد من تنصيص الحديث؛ بقوله: "مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ" إلى آخره.

وقول جابر - رضي الله عنه -: "إِنَّما العُمْرَى الّتي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - "؛ أي: التي أمضى، وجعلها للعقب، لا تعود، ولا ترجع إلى صاحبها، وقد نصَّ على أنه إذا أطلق بمدة العمر، أنها ترجع، وهو تأويل منه، ويجوز أن يكون رواه عن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - من حيث اللفظ، فإن كان مرويًّا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويًّا، فهو يرجع إلى تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدمًا؛ من حيث إنه يقع له قرائن تورثه العلم بالمراد، لا يمكن تغييره عنها، والله أعلم.

وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوها" إلى آخره؛ المراد به: إعلامهم أن العمرى فيه صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكًا تامًّا، لا يعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك، فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية، يرجع فيها.

واعلم أن العمرى تقع على وجوه:

أحدها: أن يصرح بأنها للمعمَر، فلورثته من بعده، فهذه هبة محققة يأخذها الوارث بعد موته، ولا تعود إلى الواهب المعمِر أصلًا، بل إن لم يكن لمن أعمرها وارث، كانت لبيت المال.

وثانيها: أن يعمرها مدة حياته، ولا يشترط الرجوع إليه، ولا التأبيد، بل يطلق، وفي صحتها خلاف للعلماء، وهو قولان للشافعي:

الجديد: صحته، وهو الصحيح عند أصحابه.

والثاني: وهو القديم: أنه باطل.

وقال بعض أصحاب الشَّافعي: القديم: أن يكون للمعمر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب، أو ورثته؛ لأنَّه خصَّه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم: أنها عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات، عادت إلى ورثته.

<<  <  ج: ص:  >  >>