للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القاضي عياض - رحمه الله - (١): وهذا غلط من هؤلاء الشَّاذين؛ لأنَّ آخر الحديث يردُّ عليهم، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "فَرُفِعَتْ، وعَسَى أَنْ يكونَ خيرًا لكُمْ، التمِسُوها في السَّبْعِ، والتِّسْعِ" (٢)، هكذا هو في أول "صحيح البخاري"، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفعُ بيان علم عينها، ولو كان المراد رفعَ وجودها، لم يأمر بالتماسها، والله أعلم.

واختلف العلماء في انتقالها وتعيينها، فقال قوم: هي منتقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى، وهكذا أبدًا، وهؤلاء قالوا: إنما تنتقل في شهر رمضان، وجمهورهم قالوا: تنتقل في العشر الأواخر منه.

قالوا: وبهذا نجمع بين الأحاديث. ويقال: في كل حديث جاء في أحد أوقاتها، ولا تعارض فيها، وهذا نحو قول مالك، والثَّوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.

وقال قوم: هي معيَّنة، لا تنتقل أبدًا، بل هي ليلة معيَّنة في جميع السِّنين، لا تفارقها، وهؤلاء اختلفوا، فقال قوم: هي في السَّنة كلها، وممَّن قال به: ابن مسعود، وأبو حنيفة وصاحباه، وقال قوم: هي في شهر رمضان كلِّه، وهو قول ابن عمر - رضي الله عنهما -، وجماعة من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: بل في العشر الأوسط والأواخر، وقيل: في العشر الأواخر.

وقيل: تختصُّ بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل في ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: تطلب في ليلة سبعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وحكي عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وهو قول كثير من الصَّحابة وغيرهم، وقيل: ليلة أربع وعشرين، وهو محكيٌّ عن بلال، وابن عبَّاس، والحسن، وقتادة، وقيل:


(١) انظر: "شرح مسلم" للنووي (٨/ ٥٨).
(٢) رواه البخاري (٤٩)، كتاب: الإيمان، باب: خوف المؤمن من أنَّ يحبط عمله وهو لا يشعر، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -.

<<  <  ج: ص:  >  >>