للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصّنم المذكور (٢٠) مفازة موصوفة بقلة المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمال على طرقها، فسار إليها السّلطان [محمود] في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من عدد كثير / وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى، فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصنا منيعا، وفتحوها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصّنم وحوله من أصنام الذّهب المرصّع بأنواع الجواهر عدد كثير محيطة بعرشه، يزعمون أنها الملائكة، وأحرق المسلمون الصّنم المذكور ووجدوا في أذنيه نيّفا وثلاثين حلقة ذهب، فسألهم السّلطان محمود عن معنى ذلك فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة، وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون أن هذا الصّنم يعبد منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، كلّما عبدوه ألف سنة علّقوا في أذنه حلقة» (٢١).

والحاصل أن هذا السّلطان من أوتاد الرّجال عند الأولياء، وكان ملوك الدّيلم قد عظم أمرهم وزاد شرّهم في ممالك العراق فأظهر الله هذا السّلطان ومكّنه من رقابهم وسلّط السّيف عليهم وصلب أعيان الشّيعة والزّنادقة والرّافضة وقاتل اليهود والمجوس والصّابئة، وأحرق الأصنام، وقتل ملوك الهند والصّين، ويقال إنه اسكندر هذه الأمة، وظهرت له في تلك الأسفار والغزوات خوارق عادات وكرامات ملأت دفاتر التّواريخ، وأخذ من الغنائم من بيوت الأصنام للمجوس مالا عظيما لا يحصى من الجواهر، فأخذ أربعين قنطارا من الجواهر الألماسية والياقوتية.

وقد جمع سيرته أبو النصر (٢٢) محمد بن عبد الجبّار العتبي (٢٣) الفاضل، في كتاب [سمّاه «اليميني»] (٢٤) وذكر في أوّله أن السّلطان المذكور ملك الشّرق بجنبيه، والصّدر من العالم ويديه لانتظام / الأقليم الرابع بما يليه من الثّالث والخامس في حوزة ملكه وحصول ممالكها الفسيحة وولايتها العريضة في قبضته وملكه، ومصير أمرائها وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته وجبايته، واستظلالهم (٢٥) من آفات الزّمان بظلّ ولايته ورعايته، واذعان ملوك الأرض لعزّته، وارتياعهم بفائض هيبته، وقد كان منذ لفظه


(٢٠) في الوفيات: «مسيرة شهر في مفازة» ٥/ ١٧٩.
(٢١) الوفيات لابن خلكان ٥/ ١٧٩.
(٢٢) في الأصول: «الرضا» والمثبت من الوفيات.
(٢٣) في الأصول: «العيني» والمثبت من الوفيات ٥/ ١٧٩.
(٢٤) اضافة من الوفيات.
(٢٥) في الوفيات: «واستدرائهم» ٥/ ١٧٩.