للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرَّابِعَةُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَتُقْبَلُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ: الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِهَا.

أَوْ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ؛ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِهِ هَا هُنَا. وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ.

احْتَجَّ الْأَوَّلُ: بِأَنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ: الْإِجْمَاعُ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا. وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ لِيَلْحَقَ بِهِ. وَبِأَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ، كَالصِّبَا، وَالْكُفْرِ؛ فَالشَّكُّ فِيهِ كَالشَّكِّ فِيهِمَا. وَبِالْقِيَاسِ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي الْعُقُوبَاتِ، وَبِأَنَّ شَكَّ الْمُقَلِّدِ فِي بُلُوغِ الْمُفْتِي دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَدَالَتِهِ مَانِعٌ مِنْ تَقْلِيدِهِ. وَهَذَا مِثْلُهُ وَأَوْلَى، لِإِثْبَاتِ شَرْعٍ عَامٍّ بِقَوْلِهِ.

احْتَجَّ الثَّانِي: بِقَبُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالصَّحَابَةِ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامَ. وَبِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَوَى أَوْ شَهِدَ قُبِلَ، وَلَا مُسْتَنَدَ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلرَّدِّ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ. وَبِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَنَجَاسَتِهِ، وَمِلْكِهِ لِهَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَخُلُوِّهَا عَنْ زَوْجٍ؛ فَيَحِلُّ شِرَاؤُهَا وَوَطْؤُهَا، وَبِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ؛ فَيَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ.

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَالَةِ الْعَرَبِيِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِوَحْيٍ، أَوْ تَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِهِ. وَالصَّحَابَةُ إِنَّمَا قَبِلُوا خَبَرَ مَنْ عَلِمُوا عَدَالَتَهُ، وَحَيْثُ جُهِلَتْ رَدُّوهَا، ثُمَّ الصَّحَابَةُ عُدُولٌ بِالنَّصِّ؛ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ. وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى، مَمْنُوعٌ، لِجَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ حَالَ الْكَذِبِ، وَتَأْثِيرُ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ؛ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُهُ وَيَهَابُهُ؛ فَيَصْدُقُ غَالِبًا وَظَاهِرًا، بِخِلَافِ مَنْ طَالَ زَمَنُهُ فِيهِ، وَطَمِعَ فِي جَنَّتِهِ. وَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ وَخُلُوِّهَا رُخْصَةٌ، حَتَّى مَعَ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي الْبَاقِي مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَأَحْكَامٌ جُزْئِيَّةٌ، لَيْسَتْ إِثْبَاتَ شَرْعٍ عَامٍّ.

ــ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

<<  <  ج: ص:  >  >>