للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْمَنْطُوقِ دُونَ فَحْوَاهُ، كَنَسْخِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ دُونَ الضَّرْبِ، نَحْوَ: قُلْ لَهُ: أُفٍّ وَلَا تَضْرِبْهُ. وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

وَتَرَدَّدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ مَنْطُوقِهِ، نَحْوَ: اضْرِبْهُ، وَلَا تَقُلْ لَهُ: أُفٍّ ; فَمَنَعَهُ مَرَّةً لِتَنَاقُضِهِ، إِذِ الْغَرَضُ مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ الْإِكْرَامُ، وَإِبَاحَةُ الضَّرْبِ تُنَافِيهِ، وَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ خَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْجَوَازِ.

قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ عِلَّةُ الْمَنْطُوقِ مِمَّا لَا تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ ; كَإِكْرَامِ الْوَالِدِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَأْفِيفِهِ، امْتَنَعَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَهُ، لِتَنَاقُضِ الْمَقْصُودِ كَمَا قُلْنَا، وَإِنِ احْتَمَلَتِ التَّغَيُّرَ ; جَازَ ; لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ عِلَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ، لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ ; فَفَحْوَاهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِذَا نَسَخَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا، جَازَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ عِلَّةِ حِرْمَانِ زِيدٍ، إِلَى عِلَّةِ إِعْطَائِهِ، وَمُوَاسَاتِهِ، وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، لِزَوَالِ غَضَبِهِ عَلَيْهِ، وَبَرَاءَةِ سَاحَتِهِ عِنْدَهُ مِمَّا رُمِيَ بِهِ. وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْ عَبْدِ الْجَبَّارِ - أَعْنِي: مُجْمَلَهُمَا عَلَى حَالَيْنِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>