للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفي يوم السبت الثاني عشر من صفر سنة اثنين وثمانين (١١١) خرج الدعي من تونس يريد بجاية لما أحس بخروج الأمير أبي فارس صاحبها إليه، وقد كان أبو فارس جيّش الجيوش، وجمع الجموع، وخرج قاصدا للقائه، وخرج عمّه الأمير أبو حفص خلفه بتاج على رأسه تعظيما له لأنه جرت عادة ملوك هذه الدّولة الحفصية باستعماله، وإنما ترك من دولة ابن اللّحياني الآتي إلى هلم جرا /، فخرج الدّعي من تونس في عسكر عظيم، والتقى الجمعان بفج الأبيار قريبا من قلعة سنان، وذلك يوم الإثنين الثالث لربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وستمائة (١١٢)، فكان يوما هائلا فظيعا خانت (١١٣) فيه أبا فارس أنصاره عقوبة من الله حين أغلق الباب في وجه أبيه ومنعه من الدخول لبجاية، فأخذ رجال الدّعي أبا فارس وقتلوه وقطعوا رأسه ونهبوا محلته وأخذوا مضاربه وخزائنه وسيق رأسه إلى الدّعي، ثم سيق أخوه عبد الواحد حيا فقتله الدّعي بحربة كانت بيده، ثم سيق أخواه لأبيه عمر وخالد فأمر بهما فقتلا صبرا، ثم سيق محمد بن أخيه عبد الواحد فقتل.

وكانت ولاية أبي فارس ببجاية وأحوازها ثلاثة اشهر وثلاثة عشر يوما، وسيقت رؤوس أولاد السلطان وأقاربه إلى تونس فطيف بها على أطراف الرّماح في الأسواق يوم الخميس السادس لشهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين وستمائة (١١٤)، وعلّقت على باب المنارة، ولم ينج منهم أحد إلاّ الأمير أبو حفص ابن الأمير أبي زكرياء فانه فرّ إلى قلعة سنان وهو على رجليه، ولاذ به في ذهابه ثلاثة من صنائعهم: أبو الحسن بن أبي بكر بن سيّد النّاس، والوزير ابن الفزاري، ومحمد بن أبي بكر بن خلدون، وربما كانوا يتناوبونه على ظهورهم اذا أصابه الكلل إلى أن بلغ القلعة فتحصّن بها، وأما الأمير / أبو زكرياء ابن الأمير أبي اسحاق فإنه بقي خائفا ببجاية ومعه الشيخ أبو زيد الفزاري (١١٥)، ولما بلغ خبر الوقعة إلى بجاية اضطرب اضطرابا شديدا، واجتمع الناس في الجامع الأعظم وفيهم القاضي أبو محمد عبد المنعم بن عتيق، ومعه ابنه فتكلم بكلام أغضب به العامّة، فوثبوا على الولد وقتلوه في المحراب، وحملوا القاضي من مجلس حكمه إلى السجن (ثم إلى البحر) (١١٦) وصرفوه إلى بلد الجزائر، وخاف الأمير أبو اسحاق على نفسه فخرج هاربا من


(١١١) ١٢ ماي ١٢٨٣.
(١١٢) ١ جوان ١٢٨٣ م.
(١١٣) في الأصول: «خان» والتصويب من تاريخ الدولتين ص: ٤٨.
(١١٤) جوان ١٢٨٣ م.
(١١٥) وكذا في تاريخ الدولتين وفي تاريخ ابن خلدون الفزاري ولعله هو الصواب.
(١١٦) ساقطة من ش.