للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَكْثِرْ قَوْلَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَفَعَلَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَيْتِهِ إذْ قَرَعَ ابْنُهُ الْبَابَ وَمَعَهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ غَفَلَ عَنْهَا الْعَدُوُّ فَاسْتَاقَهَا.

(وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ وَلَرُبَّمَا قَلَبَتْ الْمَعْصِيَةَ طَاعَةً وَكَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ

ــ

[حاشية الصاوي]

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.

[النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ]

قَوْلُهُ: [وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ] : أَيْ فَصَوَّرَ الْأَعْمَالَ كَالْأَجْسَادِ وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُهَا، فَكَمَا أَنَّ الْجِسْمَ لَا قِوَامَ لَهُ بِدُونِ رُوحِهِ كَذَلِكَ لَا قِوَامَ لِصُوَرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِدُونِ حُسْنِ النِّيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .

قَوْلُهُ: [وَلَرُبَّمَا قَلَبَتْ الْمَعْصِيَةَ طَاعَةً] : كَالدَّلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ، وَرُبَّ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلتَّحْقِيقِ وَذَلِكَ كَالْكَذِبِ، فَإِنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَتَقْلِبُهُ النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ طَاعَةً. فَتَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا فِي الْكَذِبِ لِلتَّخْلِيصِ مِنْ الْمَهَالِكِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا كَمَا فِي الْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَشَاحِنَيْنِ، وَهَذَا قَلْبٌ لِحَقِيقَتِهَا حَالَ وُقُوعِهَا، وَتَارَةً يَكُونُ قَلْبُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا بِوَصْفِ الْعِصْيَانِ كَمَا إذَا أَوْرَثَتْهُ أَحْزَانًا وَإِقْبَالًا وَنَدَمًا وَأَسَفًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْحِكَمِ: رُبَّ مَعْصِيَةٍ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَانْكِسَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا، وَقَالَ تَعَالَى: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: ٧٠] وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ وُقُوعُ الْمَعَاصِي مِنْ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ يُطَالِعُونَ الْغَيْبَ فَيُشَاهِدُونَ الْأَمْرَ مُبْرَمًا بِالْمَعْصِيَةِ فَيُقْدِمُونَ عَلَيْهِ امْتِثَالًا لِلْمُبْرَمِ لِاسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِهِ فَقُدُومُهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِالْإِكْرَاهِ كَالسَّاقِطِ مِنْ شَاهِقٍ، فَفِي الصُّورَةِ يُرَى مُخْتَارًا وَهُوَ يُشَاهِدُ سَلْبَ الِاخْتِيَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ شَرَحَهُ الْعَارِفُ الْجِيلِيُّ بِقَوْلِهِ:

وَلِيَ نُكْتَةٌ غُرًّا هُنَا سَأَقُولُهَا ... وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَرْعَوِيَهَا الْمَسَامِعُ

هِيَ الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْوَلِيِّ وَفَاسِقٍ ... تَنَبَّهْ لَهَا فَالْأَمْرُ فِيهِ بَدَائِعُ

وَمَا هُوَ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ وَقْعِهِ ... يُخْبِرُ قَلْبِي بِاَلَّذِي هُوَ وَاقِعُ

فَأَجْنِي الَّذِي يَقْضِيهِ فِي مُرَادِهَا ... وَعَيْنِي لَهَا قَبْلَ الْفِعَالِ تُطَالِعُ

<<  <  ج: ص:  >  >>