للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثلاثين (١) سنة، وهي ريح هائلةٌ عاصفةٌ سوداء مظلمةٌ فانتشرت حتى غطَّت الأَهرام والجيزة والبحر، واشتدت حتى ظن كل أَحد أَنها تقتلع الأَبيات والأَماكن، فدامت تلك الليلة ويوم الأَربعاء إلى العصر، وكانت سببا في هيف الزرع بالوجه القبلى وغلاء سعر القمح.

وفي ربيع الآخر قدم أَخَوَا رُمَيْثَة بن محمد بن عجلان يخطبان إمرة مكَّة عوضًا عن عمهما حسن بن عَجْلان ظنَّا منهما طَرْدَ القياس في عَقِيل ومِقْبل، فانعكس عليهما الأَمر فقُبض عليهما وحُبِسا، وقُرّر قَرْ قُمَاس الشعباني وعلي بن عِنَان في إمرة مكَّة وسافرا معًا.

وفيه وصل تَاني بك البِجَاسى نائبٌ حلب فسلَّم على السلطان وهرع النَّاسُ للسّلام عليه ثم خُلع عليه وأُعيد إلى إمرته، وتوجّه ثالث جمادى الأولى.

وفيه وقع بين نائب دمشق وقاضيها الشافعي نجم الدين بن حِجّى تَشَاجُرٌ، وادُّعى أَن القاضي أَشار بعَزْل نفسه، وتولَّد من ذلك شر كثير سيأْتي ذكره.

* * *

ووقع الخبر بأَن الجراد وَقع بالمدينة فأَفسد الزرع بها وجَرَّد الخوص من النخل، وقاسوا منه شدة عظيمة.

وفى أَوائل ما نقلت الشمس إلى الثور - بعد أَن اشتد الحر جدا - عاد البرد الشديدُ حتى صار نظيرَ الذي كانَ والشمسُ في برج القوس، وهذا من العجائب، وبعد يومين أَمطرت السماءُ مطرًا غزيرا في معظم الليل، واستمر البرد قدر أسبوع.

وفى اليوم الثامن عشر من حلول الشمس [برج] الثور أَمطرت السماءُ مطرًا شديدًا، غزيرًا، واستمر إلى أَن كثر الوحل في الطرقات كأَعظم ما يكون في الشتاء، مع الرّعد الكثير والبرق، وقد تلف بذلك ما في المقاتي ومن الزروع والكتان (٢) شيءٌ كثير، وغلا


(١) راجع وصف أيام هبوب هذه الريخ المريسية في النجوم الزاهرة ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ وإن قال في تعليقه عليها "لم أر قبلها مثلها ولا بعدها مثلها" ولو اكتفى أبو المحاسن بذلك لصح قوله إذ أنه ولد سنة ٨١١ تقريبا، على أنه تلى ذلك مباشرة بقوله: "وكان هذا من الأيام المهولة التي لم يدركها أحد من الطاعنين في السن"، على حين أن ابن حجر يشير في المتن إلى حدوث مثلها قبل ثلاثين سنة.
(٢) في هـ "النبات".