حميد الدين المذكور في كائنة الكُوْرَاني، فإنه نقل عنه أنه سئل عن الحكمة في طواف النبي ﷺ على النساء في ليلة واحدة فأجاب بأنه فعل ذلك ليعفّهنّ عن الزنى، فاستبشع هذا اللفظ، وغضب السلطانُ وأمرَ بإحضاره، فوصل إليه البريدُ فأغرمه مائتي دينار، وتكلّف شيئًا آخر حتى وصل، وشَفَع له نائب الشام وجماعة أن يسلم على السلطان وأمر أن يكتب إلى الشام بكتابة الواقعة، وأنّ كلّ من سَمِعَها يكتب بخطه بما سمع، فامتنع السلطانُ من الأذن له. وصمّم على أن لا يأذن له إلّا إذا عاد الجواب، وظهرت براءةُ ساحته.
* * *
[شهر رجب]
أوله السبت.
في التاسع منه عُقد مجلس بحضور السلطان وادّعى حميد الدين النعماني عَلَى القاضي شمس الدين الصفدي محمد بن علي بن عمر قاضي الحنفية بدمشق أنه قال في مجلس من المجالس:"أنا ما أتقيد بمذهب أبي حنيفة، بل أحكم تارة بمذهب الشافعي وتارة بمذهب أحمد" وأن علماء مذهبه أفتوا بأنّ هذا تلاعُب، وأن الحكم بذلك لا يصح، وأجاب "بأنّني ما أردت إلّا أنْ أتبع مقالة أبي يوسف تارة ومقالة محمد تارة، وغيرهم من علماء المذهب"، فقال المدّعى:"هذا الجواب لا يطابق الدعوى".
وانتصَرتُ للصفديِّ فقلتُ:"بل يطابق إذا أراد أنّ الرواية التي عن أبي يوسف موافقة مذهب الشافعي مثلًا، والرواية عن محمد توافق مذهب مالك مثلًا، فلا يلزم من ذلك أن يخرج عن مذهب الحنفية، والقاضي الذي يوليه السلطان في هذه الأزمان على قاعدة من تقدَّمه، ومن تقدَّم كان منهم العالم المُتأهل للترجيح وهذه طريقته، وغيره المقّلد الصرف، والصفديّ المذكور من أهل العلم، فلا ينكر عليه أن يعمل بما رجح عنده"، وكَثُر اللغط إلى أن قال السلطان على طريق التبرّك:"لو ثبت عليه شيء ما كان يجب عليه أكثر من التعزير، وقد عُزّر بإحضاره من دمشق إلى هنا" وانفصل المجلس على ذلك.
* * *
وفي العشر الأوسط صرح السلطان بعزْل الحمصي عن قضاء دمشق، وعين الونائي