للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى ملابساته وما يكتنفه من أدلة أخرى من عمومات الكتاب والسنة.

السبب الثاني (١): تحسين الظن بالعقل:

إن الله سبحانه جعل للعقول في إدراكها حداً لا تتعداه، فالعقول مداركها محدودة ومتناهية، ولا تحيط بالشيء من جميع الجوانب، فلا يمكن أن تستقل بإدراك مصالحها الدنيوية فضلاً عن الأخروية، فلهذا وغيره لا يمكن أن يجعل العقل حاكماً بإطلاق بل الحاكم بإطلاق هو الشرع، ومع هذا فإن العقل السليم لا يخالف النص الصريح الصحيح بل يعاضده ويناصره، ولا تأتي الشريعة بما يناقض العقل، ولكن قد تأتي بما تحار فيه العقول.

وهذا هو حقيقة العقل مع الشرع فهو تابع ومنقاد للشرع، فهو معه كالعامي مع العالم (٢) وأما عدم إدراك هذه الحقيقة لمقدار العقل، ورفعه فوق منزلته، فينشأ عنه مفاسد، منها تحسين الظن بالعقل حتى يعارض النصوص الواضحة بالشبهات التي هي من زبالة الأفكار وحثالة الأوهام، فيترك النص الواضح الجلي لما يتصور في عقله القاصر من شبهات وهمية واعتراضات خيالية التي هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

[السبب الثالث: اتباع الهوى]

فاتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ملازم لمن يترك الاعتصام بهما، ومن هنا سمي من يترك الاعتصام بهما -في الأحاديث وكلام السلف- بأهل الأهواء لأنهم "اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها


(١) المرجع نفسه: ٢/ ٣١٨.
(٢) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٣٢٧، وشرح الطحاوية: ٣٩٠ - ٣٩١، والفتاوى: ٣/ ٣٣٩، وانظر ما تقدم ص: ٣٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>