للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[دلالة المشاهدة والحس]

إن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهانًا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل، فهذا يكفي وحده للدلالة لكن الإنسان يجادل، ويكابر قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ الكهف: ٥٤] ولا يعترف ولا يعتبر بما وقع له أو لغيره بل يحاول أن يتناسى ذلك، ولا يأخذ منه أي عبرة ودرس، ويصل به الأمر إلى إنكار مشاهداته وإحساساته لاسيما إذا تأثر بلوثة الشبهات والأفكار المنحرفة .. فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.

وبهذا نصل إلى أن الحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في جلب المنافع ودفع المضار كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القضاء وتضمنه القدر السابق.

الجواب عن الاعتراض بأن الدعاء قد أثر في الله تعالى:

فإذا ثبت - ولله الحمد - بالأدلة الصحيحة أن الدعاء له أثر عظيم في المطلوب من جلب نفع ودفع ضر.

فلا يتوهمن (١) متوهم أن ذلك تأثير من العبد السائل في الله المسؤول، تعالى عن ذلك وتقدس.

وذلك لأن الله سبحانه هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو


(١) انظر في هذا اقتضاء الصراط: ٣٥٩ والفتاوى: ١٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وشرح الطحاوية: ٤٦١، والجواب الكافي: ١٥: والتمهيد ٥/ ٣٤٦، والفتح: ١١/ ٩٨، والرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>