للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فعلى هذا لا تطلق العبادة إلا باعتبار الاعتقاد بالسلطة الغيبية، وأما الخضوع بغير اعتقاد للسلطة الغيبية للمخضوع له فليس بعبادة ويفهم من هذا أن العبادة لا تطلق في حق المخلوق، فهذا القول يعكر عليه ما ورد من إطلاق العبادة في حق المخلوق نحو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، ويمكن الإجابة عن هذا بأن الأصل أن لا تستعمل إلا في حق الله تعالى، أو أنه لا يستحقها إلّا هو، كما هو نص عبارة ابن سيده والراغب المتقدمتين.

وأما إذا استعملت في غير حق الله تعالى فلاعتقاد العابد السلطة الغيبية لمعبوده فصار إلهه ومعبوده، وكأنه مولى أعظم النعم، فلهذا صرف له ما لا يصرف إلا لذي السلطة القاهرة الغيبية الذي هو العبادة فتحصل من هذا أن قول الزمخشري أن العبادة لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لا يستقيم إلا على إرادة أصل الاستعمال أو إرادة الاستحقاق، أو يقال: إنه لاحظ المعنى الشرعي ولم يلاحظ الاستعمال اللغوي وقد أشار إلى هذا الوجه الأخير الشيخ حسين بن مهدي النعمي (١).

[المعنى الشرعي للعبادة]

قد تنوعت عبارات العلماء في بيان وشرح معنى العبادة الشرعي، ولكثرة تلك التعريفات نشير إلى بعضها:

١ - قال ابن كثير: "وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٢).

٢ - ونحوه قول شيخ الإسلام: "وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن


(١) معارج الألباب ص: ١٨٩.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>