للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما الحديث فيجاب بما فيه من الكلام.

ثم يجاب أخيرًا بأنه لم يعهد من السلف من قال بوجوب الدعاء المطلق، فقد حكى شيخ الإسلام أن الدعاء لم يجب منه دعاء مفرد أصلًا إلا أنه وجب ضمن الذكر والثناء مثل دعاء الفاتحة، وما اختلف فيه من الدعاء بعد التشهد، وأما الدعاء المفرد فلم يجب (١).

[مناقشة شبه المذاهب الأخيرة]

هذه المذاهب (٢) الثلاثة الأخيرة قد ذهب إليها أكثر المتصوفة وظنوا أن الدعاء يتنافى مع الرضا بالقضاء، ولا يمكن الجمع بينهما كما ظنوا أن في الدعاء معارضة لحكم الله وقضائه، ومعاندة له، وأنه ينافي التوكل.

ومن هنا ذهبوا إلى أن الأولى: السكوت عن الدعاء والتسليم للمقدور وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وظنوا أن هذا هو الرضا المطلوب شرعًا، وبلغ بهم الأمر إلى ما نقل عن بعضهم أنه قال:

"الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" (٣).

وروي عن آخر أنه قال: "الرضا أنه لو جعل الله جهنم عن يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره" (٤).

وقال بعضهم: "التوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم في الوقت الذي قال لجبريل : أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله تعالى فلم ير مع الله غير الله ﷿" (٥).


(١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٨١.
(٢) انظر مدارج السالكين: ٢/ ٢٣٨، ٤٤، ٤٦، والفتح: ١١/ ٩٥.
(٣) الرسالة القشيرية ونسبه إلى أبي سليمان الداراني: ١/ ٤٥٢، والفتاوى: ١٠/ ٦٧٨.
(٤) الرسالة القشيرية ونسبه إلى رويم: ١/ ٤٢٤.
(٥) المرجع نفسه: ١/ ٤٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>