للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وما ثبت بالنقل ظني، والظني مصيره إما تأويل أو تفويض، ولا شك هذا المنهج العقلي لم يكن عند السلف، بل كان هذا سمة المعتزلة.

يقول أبو المظفر السمعاني رحمه الله: "اعلم أنه فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة فقالوا الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغني المخلوق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا" اهـ (١).

وأما أهل السنة فجعلوا للعقل مع الشرع ثلاث حالات:

الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع، فيكون شاهدا ومؤيدا ومصدقا، فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير، فأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.

الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا فحكم العقل إذن جواز ما جاء به الشرع.

الثالثة: أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة إن العقل الصريح لا يعارض النص الصحيح، وقالوا إن الرسل جاءوا بمجازات العقول لا بمحالات العقول، أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل ولكن يخبرون ما يجيزه العقل ويَحارُ فيه، هذا تحديد موقف أهل


(١) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي برواية السمعاني تحقيق علي سامي النشار، وسعاد عبد الرزاق، من إصدارات مجمع البحوث الإسلامية سلسلة إحياء التراث الإسلامي ط / ٢، ١٣٨٩ هـ ص: ١٨٢.