للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أحد، بل يتكلم من نفسه ويقول عن نفسه، وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى.

هذه الحوادث والأمور الواردة على القلب فطرة بشرية لا يتخلف قانونها أبدا، ويسمع النبي كلامه النفسي بإذنيه الخارجيتين كأن شخصا يخاطبه من الخارج، ويرى بعينيه الخارجيتين كأنه شخص يقف أمامه .... ، ومع فارق التشبيه نثبت أن آلافا منا من رأى حالات فاقدي العقل فهم يسمعون أصواتا دون متكلم، ويرون أشخاصا في الخارج مع انفرادهم عن البشر .... ، وتلك كلها أوهام من أوهامهم لارتكاز كل قواهم واتجاهها إلى شيء معين" اهـ (١).

وقال إقبال: "إن هناك في القلب وجدانا أو نورا سماه القرآن بالفؤاد، فإذا ربَّيْنَا هذا الوجدان يتقوَّى، فإذا تقوَّى يصل بنا إلى حقائق ما وراء الحواس، وإفاداته لا تخطئ أبدا، فهذه وسيلة من وسائل العلم يعتمد عليها كاعتمادنا على المشاهدات، وتسميتها بالعلم الباطني أو العلم التصوفي أو خارق العادة لا يقل عن قيمتها وقدرها، إذ أن كل المشاهدات كانت بدايتها شيئا ما فوق العادة فبدأ الإنسان التعبير عن مدركاته، ومحسوساته عند الضرورة حتى وصل إلى التعرف على الطبيعة التي هي معروفة لدينا اليوم، .... والنبي صلى الله عليه وسلم قد اهتمّ لهذه المشاهدات والمكاشفات في قصة ابن صياد المذكورة في صحيح البخاري بكل تفاصيلها (٢)، فالكيف الوجداني الذي كان عند ابن صياد الشاب اليهودي قد لفت نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه فحقق تنبآته، واختبره وراقبه في أحوال متعددة قد نقلها المحدثون في كتبهم، إلّا أن فهمهم لهذه القصة قد تقاصر فشرحوها لوجهات نظرهم الساذَجة.

وتناول هذه القصة المستشرق "ماكدونالد" (Macdonald)، وتمتع بها ولكنه كان ممن لم يدرك حقيقة الفرق الأساسي بين شعور النبوة وشعور الولاية" اهـ (٣).


(١) مقالات لسيد أحمد خان: ١٣/ ٦٨، ١٣٨، وينظر تفسير القرآن له: ٣/ ١٧.
(٢) ينظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٧١ (٣٠٥٥).
(٣) تشكيل جديد لإقبال: ٢٣ - ٢٤.