للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المسألة الرابعة] :

وهذه المسألة متصلة بالعرش والكرسي جميعاً، وهي راجعة إلى أثر الإيمان بالعرش والكرسي.

فالمؤمن إذا آمن بأنَّ عرش الله - عز وجل - حق، وأنَّ هذه التي ذُكرت هي صفة العرش، وأنَّ عرش الله عظيم جداً وأنه مجيد وأنه كريم، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ عن أحد حملة العرش بأنَّ مسيرة ما بين عاتقه إلى شحمة أذنه مسيرة خمسمائة عام، وأنَّ السموات بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وأنَّ الكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، وأنَّ الكرسي موضع قدمي الرحمن - عز وجل -، فلا شك أنَّ هذا يَؤُولُ بالمؤمن الحق إلى اعتقاد عظمة الله - عز وجل -، وإلى أنَّ الله سبحانه تتناهى المخلوقات عنده في الصِّغَر، وأنه - عز وجل - كما وصف نفسه بقوله {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، وجاء في الأثر في تفسير ذلك أنه يرمي بها يوم القيامة كما يرمي الصغير بالكرة فيقول أنا الله الواحد أنا الملك إلى آخره.

فمعرفة صفة الكرسي وصفة العرش، ويبتدئ المرء من نفسه التي يُعَظِّمُهَا وكيف هو على هذه الأرض العظيمة جداً وهو صغير جداً جداً، هذه الأرض، حتى إنَّ المدن الكبار إذا صعدت بالطائرة تراها صغيرة جداً وهي تحوي ملايين الناس، فكيف بالفرد والأرض هذه بالنسبة للسماوات صغيرة، والسماوات السبع على سعتها وعِظم ما فيها من الأفلاك والنجوم والسيارات بالنسبة للكرسي صغيرة كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، والله - عز وجل - فوق العرش مستغن عن العرش، وكل شيء محتاج إليه، والله سبحانه محيط بكل شيء إحاطة سعة وقدرة وذات وشمول - جل جلاله - وتقدست أسماؤه فإنَّ المرء ولاشك يصيبه بل يحصل له في قلبه نوع عظيم من الذل لله - عز وجل -، ونوع عظيم من احتقار النفس ومعرفة قدر الإنسان كيف هو، وأنه شُرِّفَ أعظم تشريف أَنْ جعله الله - عز وجل - عبداً له سبحانه، ولهذا ينظر المرء إلى عِظَمْ المخلوقات هذه ويؤمن بها فيُعَظِّمْ الله - عز وجل -.

حقيقةً الإيمان بأسماء الله - عز وجل - وصفاته يُثْمِرُ ثمراتٍ عملية في القلب من وَجَلِ القلوب، من إجلال الله - عز وجل - وحب القلوب لجمال الله - عز وجل - وأنواع ما يحدث في القلب من الإيمان ومدارج الإيمان التي تتصل بالإيمان بالأسماء والصفات، كذلك الإيمان بالجنة والنار، كذلك الإيمان بالعرش والكرسي لمن تأمله فإنه يجعل القلب خاضعا لربنا ويجعل القلب مُخْبِتَاً مُنِيبَاً لله - عز وجل - فإنْ غَفَلَ جاءه تعظيمه وإيمانه وعقيدته بالإنابة السريعة بالاستغفار الحق.

إذاً حين نبحث هذه المباحث في العقيدة ليست كما يبحثها أهل الكلام المذموم في كونها أشياء لا ثَمَرَةَ لها على الإيمان والعمل الصالح وتَعَبُّدْ المرء لله - عز وجل -، فإنَّ كل شيء وَصَفَهُ الله - عز وجل - لنا من الأمور الغيبية لم يُقْصَدْ إيماننا به واعتقادنا له من جهة الوجود دون جهة الإيمان وما يُثْمِرُ منه؛ بل قُصِدَ الإيمان به -يعني بوجوده وأثر الإيمان الذي يُحْدِثُهُ في النفس- لأنَّ المقصود إصلاح القلوب بالله - عز وجل -.

وأنت سمعت قول أولئك من المعتزلة وطوائف من المبتدعة إنَّ هذه الأشياء تمثيل لأجل إصلاح الناس وإيمانهم بعظمة الله - عز وجل -، والواقع أننا إذا قلنا بما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة فإنها في تحصيل الإيمان وفي إحداث الإيمان في النفوس وتقوية الإيمان أعظم من أن تكون للتمثيل؛ لأنَّ ذِكْرَهَا على الحقيقة وعلى هذه الصفات يجعل المرء على الحقيقة يتصور كيف هذه المخلوقات جميعاً والأرض هذه الكبيرة وما فيها ثُمَّ السموات ثم الكرسي بعد ذلك ثم العرش ثم الملائكة الحافين من حول العرش لاشك يُحْدِثْ له أنواع من الإيمان والوجل والخوف وحب الله - عز وجل - وتعظيمه والإنابة إليه، وهذا لاشك كله من المقاصد الشرعية.

فإذاً الإيمان بهذه يحتاج منك إلى تأمل وتدبر في أن تُعْمِلَ في قلبك هذه الأشياء وتتذكر عظمة الله - عز وجل -.

هذه بعض المباحث المتعلقة بقوله (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وثَمَّ مباحث زائدة يعني قد تدخل في مباحث الكلام المذموم، فالذي يهمنا هو تقرير ما دل عليه الكتاب والسنة وما يجب اعتقاده أنَّ العرش والكرسي حق، وأنَّ العرش موصوف بتلك الصفات والكرسي موصوف بتلك الصفات، وأنَّ الأقوال الباطلة في العرش والكرسي متعددة والجواب عليها، وأسأله - عز وجل - لي ولكم التوفيق والسداد.

وفي هذا القدر كفاية عسى الله - عز وجل - أن يرحمنا برحمته وأن يجعلنا من المنيبين إليه المتقين.

نكتفي بهذا القدر، لا تنسونا من صالح الدعاء. (١)


(١) انتهى الشريط العشرون.

<<  <   >  >>