للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال بعدها رحمه الله (وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا.)


يريد بذلك أنّ أهل السنة والجماعة المتّبعين لسلف هذه الأمة وأئمة الحديث والعلم أنهم يُصدِّقُون ويؤمنون بما أخبر الله - عز وجل - في كتابه من صفاته ومن اصطفائه لبعض خلقه، ومن ذكر الغيبيات بأنواعها كما قال سبحانه في وصف أهل الإيمان {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة:٣] ، فكل الغيب يؤمن به أهل السنة والجماعة دون تفريق ما بين مسألة ومسألة ودون خوض في التأويل بما يصرفها عن ظاهرها.
وقد ذكر الله - عز وجل - لنا في القرآن أنَّهُ تَّخَذَ إبراهيم خليلاً.
قال سبحانه في سورة النساء {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:١٢٥] ، وكذلك اتخذ نبينا صلى الله عليه وسلم خليلاً وكَلَّمَ الله - عز وجل - موسى تكليماً، كلَّمَهُ فَسَمِعَ موسى كلام الربّ - عز وجل -، وكذلك ربنا - عز وجل - كلم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم تكليماً ليلة المعراج، فجمع الله - عز وجل - لنبينا صلى الله عليه وسلم ما اختص به إبراهيم وما اختص به موسى من بين أهل زمانهم فجعله صلى الله عليه وسلم كليماً خليلاً.
هذه الجملة وهي (وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) دُوِّنَتْ في العقائد لأجل مخالفة الجهمية والجعدية وأشباه هؤلاء في إثبات خُلّة الله - عز وجل - وفي إثبات الكلام لله - عز وجل -.
ومن أعظم المقالات شناعة في الإسلام مقالة الجعد بن درهم الذي زعم أنَّ الله - عز وجل - لم يتّخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلّم موسى تكليماً فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير مكة يوم عيد الأضحى تقرّباً إلى الله - عز وجل - بإراقة دم ذلك الكافر الذي كذَّبَ الله - عز وجل - وكَذَّبَ رسوله صلى الله عليه وسلم. (١)
وهذه المقالة وَرِثَهَا الجهمية ثم وَرِثَهَا من يُؤَوِّل الصفات فينفون صفة الخُلَّة وينفون صفة الكلام لله - عز وجل -.
قوله (إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) هذه الكلمات الثلاث متغايرة، فالإيمان والتّصديق والتّسليم تتداخل، فمن آمن فقد سَلَّمْ، ومن صَدَّقَ فقد آمن، ومن آمن فهو مُصَدِّقْ؛ ولكن من جهة الحقيقة فإنّ المؤمن -يعني من قال هذا الكلام إيماناً به- قد يكون إيماناً لكن ليس تصديقاً باتخاذ الخلة كقول المفوضة فإنهم يؤمنون باللفظ وبالآية دون التصديق بالمعنى الذي فيه، والتّسليم، تسليمٌ بأن الله - عز وجل - يتصف سبحانه وتعالى بالصفات، نُسَلِّمُ لربنا - عز وجل - ما اتصف به من صفات الجلال والكمال والمحبة والخلة إلى آخر ذلك.
فإذاً (إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) ظاهرها التقارب في المعنى، والذي يظهر أنه أراد لكل كلمة معنى أخص.
هذه الجملة فيها مسائل تفصيلية:

<<  <   >  >>