للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال بعدها (وَلاَ غِنَى عَنِ اللهِ تَعَالى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) .


(لاَ غِنَى عَنِ اللهِ تَعَالى طَرْفَةَ عَيْنٍ) ، يعني أنَّ العبد في طَرْفِ عينه وحركة عينه لا يستغني فيها عن الله (؛ لأنه إنما حرَّكَ عينه برحمة الله، وبفضله وبإمداده وبإعطائه سبحانه وتعالى، فلا يستغني عن الله طرفة عين.
وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طَرفة عين (١) » ، وهذا إذا وكَلَهُ إلى نفسه طرفة عين فمعناه أنه استغنى.
قال: (وَمَنِ اسْتَغْنَى -هذا حُكْمْ- عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) لأنه إستغنى عن الله (ورأى أنه يَقْتَدِرْ وأنه ليس بحاجة إلى الله ?، وهذا كما صَنَعَ إبليس اللّعين فإنه استغنى فكفر، وتَكَبَّرَ فاستحق الكفر والخلود في النار.
(اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ) ، (اسْتَغْنَى) معناها كان في غِنَى وليس معنى اسْتَغْنَى طَلَبَ الغِنَى.
فاستغنى: يعني ومن كان في غِنَىً عن الله طرفة عين فقد كفر، لأنَّ كلمة استغنى ليس فيها الطلب.
فالأصل في السين والتاء الطلب إلا في مسائل.
ومن أهل العلم من يقول إنَّهُ لا قاعدة في السين والتاء أنَّهَا للطلب، لكن يُقال الأكثر في مجيئها أنَّهُ للطلب.
وقد تأتي لبيان تمكُّنْ الصفة من الموصوف، فقول الله ? في سورة التغابن: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن:٦] ، {اسْتَغْنَى اللَّهُ} يعني غَنِيَ الله فصارت صفة الغِنَى له صفة كمال، له الغِنَى الكامل الذي لا نقص فيه من وجه من الوجوه، لأن زيادة المبْنَى تدل على زيادة المعنى.
وهنا في قوله (وَمَنِ اسْتَغْنَى) يعني ليس معناه من طلب الغِنَى، معناه كان في غِنَى.
(مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الله) ، يعني كان في غِنَى عن الله طرفة عين.
(فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) (الحَيْنِ) هنا بمعنى الهلاك لأنه صار مُتَوَعَّدَاً بل صار من أهل العذاب لأنه كَفَرْ والعياذ بالله.
هذه كلها يريد منها الطحاوي رحمه الله بيان آثار ربوبية الله ? وتَعَلُّقْ [العقل] بالله سبحانه وتعالى.
نقف عند هذا، والجملة القادمة تحتاج إلى تفصيل طويل (واللهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى) لأنَّ لها تعلّق بالصفات الإختيارية وبمسائل كثيرة فيما ذهب إليه أهل البدع في الصفات الإختيارية صفات الأفعال، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

<<  <   >  >>