للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال تعالى مؤكدًا وقوع ذلك منهم: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (١).

فقوله عز وجل في آية "الأنعام" {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، وفي آية "النحل": {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته" اهـ (٢).

وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فانتهوا لمثل ذلك أبدا.

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يفقشأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: "بهذا أمرتم؟ ولهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، وبهذا هلكت الأمم قبلكم" اهـ (٣).

فثبت بما تقدم باُن الإيمان بالقضاء والقدر كان ركنا من أركان الإيمان منذ العهد الأول وليس هو من معطيات الفلسفة اليونانية، وكذلك الاحتجاج بالقدر قد وجد جزوره عند الجاهليين فليس هو نتيجة بعض الاتجاهات السياسية في العهد الأموي، بل كانت هي شبهة قد تعلقت بأذهان الجاهليين فجاء القرآن، ورد عليهم


(١) سورة النحل: ٣٥.
(٢) وسطية أهل السنة بين الفرق لـ د. محمد باكريم ص: ٣٦٨.
(٣) سنن ابن ماجه ١/ ٣٣ (٨٥)، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح (صحيح ابن ماجه ١/ ٢١ (٦٩)).