للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ذلك انعدام عالم الجن بسب التسمية به الإنسان، كما لا ينعدم عالم الأسد إذا وصف رجل شجاع بالأسد.

ثانيًا: فُطِرَ الناس على أن في العالم خلقًا آخر غير الإنسان يعرفونه بآثاره، ولا يرون أشباحه ولا يعرفون حقيقته، وقد صرحت بذلك جميع الكتب السماوية بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل كما صرحت بالعناوين الخاصة بهذا الخلق، فذكرت "الملائكة" وذكرت "الجن" على أنهم نوع مقابل للإنسان بدرجات تحت عنوان الثقلين .... إذن فليس في وجود الجن شك وليس في تحميلهم شرائع الله ورسالته شك، وليس في مسؤولياتهم ومؤاخذاتهم بالتقصير شك وليس في استعدادهم لاستماع القرآن وتلقيه وفهمه وتدبره والتأثر به شك، فكل هذا حق لا ريب فيه ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن بالقرآن ولا برسالة السماء وإن محاولة تأويل شيء منه تحريف للكلم عن مواضعه، وسلخ للألفاظ عن معانيه وضيق عطن من المولعين بإنكار ما لا يدركه الحس (١).

ثالثًا: إن عالم الجن كعالم الملائكة من المغيبات التي أمرنا الله بالإيمان بها، ولم يكلف رحمة بنا أن نروي من أخبارها وأطوارها مما ذكره الوحي لنا فلنعقل منه ما نعقل، ولنكل أمر ما لا نعقل إلى الله عز وجل، ولا نتنازل عن ديننا وعقيدتنا بحرف أمام تحديات المستشرقين والمستغربين الماديين المحجوبين الذين ينكرون كل شيء غاب عن حواسهم، فنقول لهم: إن قوى وجود روحانية وعوالم غيبية وإن استترت عن حواسنا بأعينها، وقد تجلت لنفوسنا بآثارها، وما تواتر من أخبارها أمر محقق لا ريب فيه، ولنضرب لها مثلًا: كثير من القوات الطبيعية كانت مجهولة للبشر منذ أزمنة التاريخ كالكهربائية التي ظهرت كثير من عجائبها في هذا الزمن، والميكروبات التي ظهرت في علم الطب حقيقتها وتأثيرها في سبب الأدواء والأمراض في هذا الزمن قد صُدقت بها، وإذا كنا لا نصدق إلا ما نشعر به بحواسنا، فهذه


(١) ينظر كتاب: إلى القرآن الكريم لمحمود شلتوت دار الشروق ص: ١٥٦.