للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والجواب أن يقال: إنكارك الإجماع بذلك جحد بالضرورة، فإن هذه الكلمة جارية على ألسنة الخاصة والعامة، وينقل ذلك كل خلف عن سلفهم كنقلهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهجرته إلى المدينة وموته هنالك، ويعلم وقوع ذلك كل مسلم وكافر وموافق ومخالف، وإنكار القدرية للنقل والإجماع على مقتضى هذه الكلمة لا يؤثر في صحة العلم بها كما لا يؤثر خلاف السوفسطائية (١) للعلوم الضرورية بادعاء النبي صلى الله عليه وسلم للنبوة بمكة وتكذيب قومه له وهجرته إلى المدينة وموته بها.

وأما قول المخالف: لو صح الإجماع على هذه اللفظة يكون المراد (٢) بها ما شاء الله من فعله كان وما لم يشأ من فعل نفسه لم يكن دون ما شاء من فعل غيره وما لم يشأ منه، غير صحيح، بل الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل نفسه هو الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل غيره وهو عدم وصفه بالنقص، ولأنه (٣) موصوف سبحانه بالاقتدار على غيره ولا يوصف بالاقتدار على نفسه (٤)، ومن كمال صفته بالاقتدار على غيره تمام إرادته من غيره وإلا كان موصوفاً بإرادة ما لم يتم من فعل غيره بالتمني، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إرادته لإسلام أبي طالب وغيره ممن كان يحب إسلامه


(١) هذا الاسم مأخوذ من السفسطة: وهي قياس مركب من الوهميات والغرض منه تغليظ الخصم. التعريفات للجرجاني ص ١١٨، وقال السكسكي: السوفسطائية هم القائلون بأن الأشياء لا حقيقة لها وأن جميع الأشياء عندهم على التوهم كالحلم وأنكروا العلم رأسا. البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان. ص ٢٢.
(٢) في - ح- (لكان القصد بها).
(٣) في - ح- (وهو).
(٤) قوله: "ولا يوصف بالاقتدار على نفسه" هذا من كلام المتكلمين الباطل الذي لا وجه له لأنه لا يتصور دخول ذاته فلا يحتاج إلى إخراج، ومثل هذا قول صاحب تفسير الجلالين عند قوله تعالى: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة (١٢٠) وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر. انظر: تفسير الجلالين بهامش البيضامي ١/ ٣٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>