للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[معرفة أنه لا عصمة لأحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام]

ومنها: معرفة أنه لا معصوم بعد النبي عليه الصلاة والسلام: ولتعلم أيضاً أن الناس بشر يعتريهم ما يعتري البشر، أبوهم آدم أكملهم عقلاً كما في الحديث جحد فمن ثَم جحدت ذريته، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أبوهم آدم أشدهم حلماً نسي فنسيت ذريته).

عصا فعصت ذريته، وهو من أكمل الخلق وأعقل الخلق وأحلم الخلق صلى الله عليه وسلم، فبنوه كذلك تصدر منهم هذه الأخطاء، فأحياناً يصدر منهم حب للنفس، فيغفر لهم في خضم فضائلهم، وفي ذلك قصص أخرجها البخاري وغيره: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) وكان سعد بن معاذ سيداً للأوس وكان سعد بن عبادة سيداً للخزرج، وكان بين الحيين في الجاهلية ضغائن وحروب طاحنة.

قال جابر مع أن جابر من الخزرج وسعد بن معاذ من الأوس، وكان الحيان يفتخران، حتى قال بعضهم: منا من حمته الدبر -يعني: النحل حمته من المشركين أن يقطعوا منه شيئاً- ومنا من اهتز له العرش.

الشاهد: قول جابر وهو من الخزرج: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ.

فقيل لـ جابر: إن البراء يقول: إن الذي اهتز إنما هو السرير، يريد أن يؤول العرش بالسرير؛ لأن العرش يطلق عليه سرير، {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل:٤١] العرش: هو سرير الملك.

فهم هكذا رضي الله تعالى عنه، وقد يكون سمع الحديث لكن أحياناً كما يقول القائل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فعندما يكون بينك وبين شخص عداوة فإنك تراه بمنظار آخر، يأتيك أبيض فتحسبه أسود، يأتيك مبتسماً فتقول: جاء يشتم ويسب.

فالشاهد: أن قائلاً قال لـ جابر: إن البراء يقول: اهتز السرير.

فقال جابر: لا قد اهتز العرش إنما كان بين هذين الحيين ضغائن.

أي: كان بين الأوس والخزرج ضغائن ففسر العرش بالسرير.

فالشاهد: أن البراء بشر التبس عليه الأمر، وجاء في الرواية: إن البراء يقول: إن ثبت عنه فهو من البشر يجري عليه ما يجري على البشر.

أيضاً: أمنا عائشة لما رأت مدى حب الرسول صلى الله عليه وسلم لـ خديجة، وقد كان عليه الصلاة والسلام وفياً غاية الوفاء لـ خديجة، وكان يحبها حتى بعد موتها، وإذا جاءت أختها هالة تستأذن ذكرته نبرات صوتها بـ خديجة رضي الله عنها، فيرتاع لها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: (اللهم هالة)، وكانت عائشة رضي الله عنها تغار من اهتمام الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الزوجة، وإن كان قد ماتت، وعائشة لا تعرفها أصلاً بل إن فاطمة بنت الرسول بنت خديجة أكبر من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهن أجمعين، فـ عائشة تسمع رسول الله يقول: (اللهم هالة) قالت: (والله يا رسول الله ما غرت من امرأة قط كما غرت من خديجة، وإن كنت لم أرها)، لكثرة ما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرها.

حتى قالت: يا رسول الله! ما تذكر امرأة عجوز، ماتت في غابر الزمان قد أبدلك الله خير منها، فيقول عليه الصلاة والسلام: (إني رزقت حبها).

عائشة ما رأتها ومع ذلك طعنت فيها بدون أن تراها رضي الله تعالى عنها، فأحياناً يعتري البشر في حب للنفس والانتصار لها ما يعتريهم.

وكما حدث مع الرسول عندما قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة لـ حفصة: قولي له أبو بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك فلم يسمع الناس من البكاء، ولكن مر عمر فقال عليه الصلاة والسلام: (إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس).

والشاهد: أن عائشة تقول عن نفسها: (والله ما كنت أبداً أريد ألا يؤم أبو بكر بالناس إلا لشيء، إني خشيت إذا وقف أبو بكر مكان رسول الله أن يتشاءم الناس بـ أبي بكر لكونه جاء بعد الرسول).

فحاصل كلامها: أردت أن ألحق هذا التشاؤم بـ عمر لا بأبي؛ فأرادت عائشة أن تدفع هذا كله عن أبيها وتلصقه بـ عمر.

وفي حادثة الإفك قال عليه الصلاة والسلام: (من يعذرني من رجل بلغني أنه قال في أهلي، والله ما علمت عن أهلي إلا خيراً فـ سعد بن معاذ قام فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من عندنا من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فقتلناه، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، وإن كان من قبيلتك لم تحب أن يقتل، فيقوم أسيد بن حضير ويقول: والله لنقتلنه، إنك منافق، تجادل عن المنافقين)، فهذه هفوات تغتفر للبشر.

- واقعة أخرى في هذا الصدد: كان هناك رجل يقال له: أبو السنابل بن بعكك صحابي من أصحاب رسول الله، وكان رضي الله عنه قد تقدم لخطبة امرأة يقال لها سبيعة الأسلمية بعد أن مات زوجها، فأبت أن تتزوجه، وكانت سبيعة امرأة تتجمل للخطاب، قد اكتحلت واختضبت وتجملت للخطاب، لما رآها أبو السنابل متجملة وقد ردته قال: (ما لي أراك تجملت للخطاب؟ والله لا تحلين لأحد حتى يبلغ الكتاب أجلَه)، أي: حتى تنقضي أربعة أشهر وعشراً، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:٢٣٤] وسبيعة عدتها عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل، فقال هذه الكلمة وهو الذي لم يلبث أن خطبها، (فحملت عليها ثيابها وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبا السنابل يقول: كذا وكذا يا رسول الله، قال: قد حللت حين وضعت، فاصنعي ما بدا لكِ) أي: بمجرد الوضع قد حللت للخطاب فتزوجي إن شئت.

وهذا الحديث هو عمدة العلماء القائلين: بأن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، حتى المتوفى عنها زوجها، وليس في المطلقات فحسب؛ لأن سبيعة كانت قد توفي عنها زوجها.

فالحاصل: أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر ويغفر لهم ما يغفر للبشر (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم).

أيضاً عليك أن تعلم القاعدة المضطردة في كتاب الله (أن هناك فضل وهناك عدل)، فضل وعدل، تنزيل ذلك أو استنباطه من الآيات {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل:٩٠]، فالعدل جزاء السيئة بالسيئة، والإحسان العفو، {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:٤٥] كله عدل، {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة:٤٥] فضل وعفو، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:٤٠] عدل، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} [الشورى:٤٠] عفو، {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [الحج:٦٠] عدل {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:٦٠] عفو وفضل.

هناك عدل وهناك فضل، فيجوز لك أن تأخذ بالعدل، ويجوز لك أن تأخذ بالفضل، فليس معنى أني جئته في وقت من الأوقات فلم أعف.

وطلبت بحقي أني ظالم.

وفي صحيح البخاري أيضاً (أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع عليه أهله في مرضه، فأرادوا أن يضعوا له اللد في فمه -دواء مر، يوضع في الفم رغم الأنف، فيفتح الفم بقوة ويصب فيه الدواء- فأشار إليهم الرسول ألا تفعلوا، فما التفتوا إلى إشارة الرسول بل قالوا: ما من مريض إلا وهو يكره الدواء- فوضعوا للرسول الدواء في فمه رغماً عنه).

الشاهد: أنه لما أفاق قال: (لا يبقين أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر).

يعني: كل واحد في البيت كان يشاهد الموقف لابد أن يوضع اللدود في فمه أمام عيني، عليه الصلاة والسلام.

وقال: (إلا العباس فإنه لم يشهدكم) فالرسول أراد أن يعاقب حتى لا تصبح الأمور دوماً مفتوحة لمن أراد أن يخالف، أو من أراد أن يظلم أو أي شيء من هذا الباب، وهذا تزكية لأمته صلى الله عليه وسلم، فليس معنى كونه أخذ بالعدل أنه ظلم صلى الله عليه وسلم.