للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[هدي السلف في التعامل مع أخطاء الزوجة]

الحاصل من ذلك أيها الأخ الكريم: أنك إذا أردت أن ترى في المرأة كل خصال الخير ستفشل في الحياة معها، وتأكد من هذا، فالنساء ناقصات عقل ودين، وخصال الخير ما اجتمعت في امرأة إلا في امرأتين آسيا ومريم عليهما السلام، فإذا أخطأت زوجتك عشرة أخطاء فتجاوز لها عن خمسة وعاقبها في خمسة.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: والله إني لا أحب أن استنصف جميع حقي على امرأتي -يعني: أنا لا أحب أن آخذ جميع حقوقي من امرأتي- لأن الله يقول: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:٢٢٨].

يعني: لابد أن تكون أنت الأفضل، أما إذا أخطأت المرأة عشرة أخطاء، وجئت تؤاخذها بالأخطاء العشرة فأنت رجل ناقص العقل، قد جعلت نفسك كالمرأة بالضبط سواءً بسواءً، ولكن أهل الفضل يتركون لمن دونهم أخطاءً يخطئون فيها، وأهل العقل الكامل يتركون للمجانين ولأصحاب أنصاف العقول شيئاً من الأخطاء يخطئون فيها؛ وإلا فلو آخذوهم بكل الأخطاء التي تصدر منهم لظلموهم.

فعلى الزوج أن يراعي الزوجة ويعلم أنها ليست كالرجل، فإذا جاء يعاملها كما يعامل الرجال سيفشل، فإذا جاء يطبق المعاملات مع الرجال هي هي سواءً بسواء مع النساء سيفشل، فالرجل مع الرجل قد يتكلم بكلمة شديدة، لكن النسوة لا يتحملن ذلك.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (رفقاً بالقوارير) قد تشتد مع الرجل في الكلمة وتشتمه أحياناً، ويتحمل لأنه رجل، كما يقولون: جثته قوية يتحمل، لكن بالنسبة للمرأة فلو تتكلم بكلمة يسيرة جداً ترى الدمع يذرف من عينها، فالنساء رقيقات القلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهن خيراً، لما كان الرسول في سفر وكان أنجشة حادياً لرسول الله، يغني للإبل أغاني أو يحدو بكلمات ينشط الإبل على المسير، فكان ينشط الإبل فتسرع الإبل في المسير، والنسوة فوق الإبل، فيقول الرسول: (يا أنجشة رويدك، رفقاً بالقوارير).

يعني: إذا حدوت كثيراً فالإبل حينئذٍ ستمشي سريعاً، فيخشى على النساء من السقوط، (يا أنجشة رويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير).

وفي هذا الباب أيها الإخوة -باب المؤاخذة ببعض الشيء والعفو عن الشيء الآخر- أذكرّ بما حدث للنبي عليه الصلاة والسلام مع عائشة رضي الله تعالى عنها، وأذكر موقفين حدثا لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها.

تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحب خديجة حباً شديداً، فقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً على فراق خديجة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام حسن العهد لا ينكر المعروف، ولا يجحد الإحسان، فلما ماتت كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها، وإذا ذبح ذبيحة يقول لنسائه: (أرسلوا إلى أصدقاء خديجة) وهذا من حسن العهد.

وفي يوم جاءت هالة بنت خويلد، أخت خديجة تستأذن على الرسول عليه الصلاة والسلام، فارتاح النبي صلى الله عليه وسلم بقدومها، فغارت بسبب ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت للرسول: كل يوم تذكر خديجة، خديجة، خديجة، ما تذكر من امرأة عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين -تعني: أن أسنانها سقطت من فمها، وأنها كبيرة في السن، ولم يبق في فمها إلا حمرة الشدقين- قد أبدلك الله خيراً منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني رزقت حبها) ولم يشدد صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها لما تكلمت بهذا الكلام، وإنما قال: (إني رزقت حبها).

والشاهد في ذلك أنه لما كان الحامل لـ عائشة على ما قالته هو الغيرة الشديدة لم يشدد النبي صلى الله عليه وسلم في مؤاخذتها رضي الله عنها.

وحصل موقف آخر من عائشة رضي الله عنها، حاصله: أن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله حسبك من صفية كذا وكذا -أي: يكفيك من صفية كذا- وأشارت بيدها إلى أنها قصيرة -يعني: ما الذي عند صفية - فقال عليه الصلاة والسلام حينئذٍ: (يا عائشة! لقد تكلمتِ بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) واشتد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عائشة رضي الله تعالى عنها.

فالشاهد: أن الزوج عليه أحياناً أن يؤاخذ، ولا يترك المجال دائماً للزوجة تتصرف كما تشاء، وعليه أحياناً أن يعفو، وله أحياناً أن يؤاخذ، على حسب ما يقتضيه المقام، فهذا هدي نبيكم محمد صلوات الله وسلامه عليه.

وكان عليه الصلاة والسلام أحياناً يمازح عائشة رضي الله عنها، بل ويسابقها، وفي الوقت نفسه يقول عليه الصلاة والسلام: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يسابقها فقد خرج مسافراً ذات يوم، فأمر الجيش بالتقدم وعائشة كانت معه فقال: (سابقيني يا عائشة فسابقته عائشة فسبقته) وكانت صغيرة، ثم لما تقدم بها العمر قال: (سابقيني يا عائشة -في واقعة مشابهة- فسبقها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذه بتلك) ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم لا يقصر في إيقاظها للصلاة، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت رضي الله تعالى عنها.

فرسولنا صلى الله عليه وسلم كان وسطاً في أموره وأذكر على ذلك مثالاً يتعلق بالاحتياط مع حسن الظن بالزوجة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً يتخونهم يلتمس عثراتهم) يعني: إذا تأخرت في السفر فلا تأت تفاجئ الزوجة بالطرق والفتح السريع تتخونها، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: (ولكن أمهلوا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) أي: حتى تزيل شعر عانتها للفترة التي غاب عنها زوجها.

في ذات يوم رجع أبو بكر رضي الله عنه وكان قد تزوج بـ أسماء بنت عميس بعد مقتل زوجها جعفر رضي الله عنه، فوجد في البيت رجالاً، فذهب يشكوها إلى النبي فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا أبا بكر هل رأيت شيئاً تكرهه؟ قال: ما رأيت إلا خيراً يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام -مدافعاً عن أسماء - إن الله قد برأها من ذلك) أي: برأها مما تظنه بها، ثم قام خطيباً فقال: (ألا لا يدخلن رجل على امرأة مغيبة بعد يومي هذا إلا ومعه الرجل أو الرجلان والثلاثة) فمع أنه كان حسن الظن إلا أنه أيضاً سلك سبيل الاحتياط لأمته، فقال ما قد سمعتموه، وقد قال مع ذلك أيضاً: (إياكم والدخول على النساء، فقام رجل فقال: أرأيت الحمو يا رسول الله -يعني: أخو الزوج- فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت) أي: خطره كخطر الموت، فمنع الرسول من دخول ابن العم أو ابن الخال أو قريب الزوج على الزوجة، وبين أن خطره كخطر الموت وقال: (ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).

وأرجع فأقول موصياً نفسي والزوج وإخواني: إذا أخطأت الزوجة في عشرة أخطاء فلا تؤاخذها في الأخطاء العشرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرف بعضه وأعرض عن بعض، بل آخذها في خمسة وأعفو لها عن خمسة، ولا تظن أيها الزوج أن المرأة كالرجل، فالله يقول: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:٣٦] فالرجل جُبل على أمور وهي جُبلت على أمور، جُبلت هي على الضعف، وأنت قواك الله، فلا تستطل ولا تبغِ عليها، قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:٣٤] أي: الله أكبر منك إن ظننت أنك قوي على زوجتك تظلمها بلا سبب ولا مبرر، فأيقن أن الله أقوى منك وأقدر عليك منك على زوجتك، فكن رحيماً رفيقاً.

يقول نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وقال في رواية: (خيركم ألطفهم بأهله)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، وإذا حرمهم الرفق فقد حرموا الخير) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وفقنا الله وإياكم لعمل ما يرضيه، ولحسن التعامل مع القريب والبعيد، ومع الزوجة والولد، والجار الجنب والصاحب بالجنب، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.