للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأجل ما ذكرناه، فأوْلَى أن لا نُقره إِذا لم يتأكد. فَعَلى هذه القاعدة كلُّ من اعتقدنا أنه خالَف الإِجماعَ لا يجوز تقليده، فإذا كانت القاعدة هذه، حَصَل باعتبارها الفرقُ، وبيانُه بذِكْر أرْبَعِ مسائِلَ: (٨)

المسألة الأولى، المجتهدُونَ في الكعبة لم يجز التقليدُ بينهُمْ، لأن كلَّ واحِدٍ منهم يعتقد أن صاحبه ترك أمْراً مُجمَعاً عليه وهو الكعْبة، وتاركُ المجمع عليه لا يُقلَّد. أمَّا المختلفان في مسح الرأس فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهراً أو مفهوماً، وذلك ليْسَ مُجْمعاً على اعتباره.

قلت: كَيْف يقال: تَرك أمْراً مجمعا عليه والفرضُ في حق كُلِّ واحدٍ ما أداهُ اليه اجتهادُه، كما يقال: الفَرْضُ في حقِ كل واحد من مسح الرأس ما أدَّاه اليه اجتهاده، فإن اعتُبِرتْ القِبْلة من حيثُ هي قِبْلَةٌ للمصلي وقُلتَ: هي ما فرض بإجماع، فمثلُه المسحُ في الرأس للوضوء فرضٌ بإجماع، وتعيينُ الكل أو البعض كتعْيين (٩) الجهة من الجهةِ، فالمسألة كالمسألة، واللهُ أعْلَمُ.

قال: المسألة الثانية، المختلفون في الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها، إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة، إما بالاجتهاد أو بالتقليد، فإن حكم الله في حقهم بالإِجماع ما ادَّى اليه اجتهادهم أو اجتهادُ إمامِهم، وإذا كان حكم الله - في حقهم ذلك بالاجماع، فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه لابَسَ في صلاته ما هو مُبْطِلٌ لصلاته بالاجماع، فقد خالف مجمعاً عليه فلا يجوز تقليده، بخلاف من لا يتدَلَّك في غسله أو لا يُبَسْمِل لم يخالف مُجْمَعاً عليه.

قلت: العجَبُ منه، يَجْعل الإِجماع في مسألة النجاسة، وينْفِيه في مسألة التدُّلكِ، فإن كان الإِجماع من حيث إن الأحكام استندت للاجتهاد، فالاجتهاد في المسألتين، وإن كان من حيثُ الأدلة واختلافُها في المسألتين فأدِلة النجاسة أنها مبطلة للصلاة ليس فيها إجماع ولا نصٌّ ولا قاعدة كما في أدلة التدلك، بل أدلة التدلك أقوى، فالخلاف واحِدٌ في الوضعَيْن، وهذا ضعيف.


(٩) في نسخة ح: وتَعَيُّن الكل أو البعض كنَعَيُّن الجهة من الجهة.

<<  <  ج: ص:  >  >>