للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال شهاب الدين رحمه الله:

ثم الذي تمكن نيته، منه ما شرِعَتْ فيه النية، ومنه ما لم تُشرع فيه.

وبيان ذلك أن نقول: المشروعاتُ إمَّا مأذونٌ فيها واما مطلوبة، فالمأذون فيها لم تشرع النية فيها من ذلك الوجه، ولكن من نَوى التقَوِّيَ (٩) بالمباح على طاعة الله فهو حسَنٌ، وله التقرب به من هذا الوَجْه.

والمطلوبُ إمّا مطلوب الترْك وإمَّا مطلوب الفعل، فالذي طُلب تركُه يصح فعله في الشريعة ويُجزئ دون نية، ولكن النية مع الترْك تُدْخله في الثواب، وبِلا نيَّةٍ كان معه السلامة من العقاب. (١٠).

والذي طُلِبَ فعله، إما أن تكون صورة فعله كافية في المصلحة الطلوبة منه أوْ لا، فإن كان الأول كرَد الديون فلا يحتاج إلى نية فيه، والنية أيضا تدخله في المثوبات، ولو لم تكن النية لما كان في ذلك ثواب.

قلت: هذا بَيْعُدُ، (١١) فإن من أعْطى نفقة الأقارب والعيال، الظاهر من الشرع أن المثوبة له ولابد، لأنه خيْر ثعَدَّى منه إلى غيْره، وحصل نفْعُ غيره به،


(٩) في نسخة ع: التقرب من القرب، والذي في نسخة ح: التقوي من القوة، وهو ما في نسخة اخرى ثالثة، وهو الأظهر والأصوب الذي يقتضيه السياق والمعنى المراد، وتدل عليه عبارة الإِمام القرافي بقوله: "فغيْرُ المطلوب لا يُنْوى من حيث هو غيْرُ مطلوب، بل يقصد بالمباح التقوى على مطلوب، كمن يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل، فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من جهة أنه مباح.
وقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي فقال: ما قاله في ذلك صحيح.
(١٠) عبارة القرافي: المطلوب في الشريعة قسمان: نَواهٍ وأوامر، فالنواهى لا يحتاج فيها إلى النية شرعا، بل يخرنج الإِنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تَرْكِهِ وإن لم يشعر به، فضلا عن القصد إليه، نعَم إن نوى بتركها وجْه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترْك قرَبة.
قال ابن الشاط، ما قاله القرافي في ذلك صحيح.
(١١) كذا في نسخة ع، وح، بالفعل المضارع، وفي نسخة ثالثة: بَعيدٌ، على وزن فعيل بصيغة الصفة المشبَّهة باسم الفاعل في العمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>