والفرق بين القاعدتين ينبني على قاعدة، وهي أنه متى كان الفرع مختصا بأصل واحد جرى على ذلك الاصل من غير خلاف، ومتى دار بين أصلَيْنِ أو أصول يقع فيه الخلاف، لتغليب بعض العلماء بعضَ تلك الاصول، وتغليب البعض الآخر أصلا آخر، فيقع الخلاف لذلك. ولذلك اختلف في أم الولد إذا قُتِلت، هل تجب فيها قيمة أم لا؟ لترددها بين الارقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين، وبين الأحرار لتحريم بيعها واحرازها لنفسها ومالها، وفي تردد اثبات هلال رمضان بين الشهادة والرواية، وكذلك الترجمان عند الحاكم، والنائب والمقوم، وغيرهم، جرى الخلاف فيهم، هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة، أو لا يشترط، تغليبا للرواية، وكتردد العقود الفاسدة بين الابواب المستثنيات كالقراض والْمُسَاقاة، هلْ ترد إلى اصلها فيجب قراض المثل، أو إلى اصل اصلها فتجب أجرة الثل، وذلك لتردد هذه المساقاة الفاسدة بين اصلها وأصل أصلها، فإن أصل أصلها، أصلها كذلك، فلِذلك كل ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود يختلف العلماء فيه، لِتوسطه بين الغرر الأعلى فيبطل، أو الغرر الادق المجمع على جوازه واغتفاره في العقود فيجوز، والمتوسط أخَذَ شبها من الطرفين، فمن قربه من هذا منع، أو من الآخر أجاز. وكذلك المشاق المتوسطة في العبادات دائرة بين أدق المشاق فلا توجب ترخصا، وبين أعلاها فتوجب التَّرخصَ، فيختلف العلماء في تأثيرها في الاسقاط لأجل ذلك، وكذلك التهم في رد الشهادات، إذا توسطت بين قاعدة ما أجمع عليه أنه موجب للرد، كشهادة الانسان لنفسه، وبين قاعدة ما اجمع عليه أنه غير قادح في الشهادة، كشهادة الرجل لآخر من قبيلته، فيختلف العلماء أي التغليبين يعتبر؟ وذلك كشهادة الاخ لاخيه ونحوه، فإنه اختلف فيها، هل تقبل او ترد؟ كذلك الثلث يتردد في مسائل بين القلة والكثرة فيختلف العلماء في الحاقه بأيهما شاء، ونظائره كثيم في الشريعة من المترددات بين أصلين فأكثر، والعمال في القراض دائرون بين ان يكونوا شركاء بأعمالهم، ويكون أرباب الاموال شركاء بأموالهم، ويعضد ذلك تساوى الفريقين في زيادة الربح ونقصانه، وهذا هو حال الشركاء. ويعضده أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال، وهذا هو شأن الشريك، وبين أن يكونوا أجراء، ويُعَضِّدُهُ اختصاص رب المال بضياع المال وغرامته، فلا يكون على العامل منه شيء، ولان ما ياخذه معاوضة على عمله، وهذا هو شأن