للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إن الرِّجُل إذا وَكّل وَكِيلَين في بيع سلعة فَباعاها من رَجُلين، فإن النافِذَ من البيْعَين هو الأول، وإذا جَعلتْ المرأة أمرها لوليَيْن، فزوّجاها من رجلين كُفْؤَيْنِ فالمعتَبَرُ أوّلَهُما إن عُرِفَ، كالبيع، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها. (٨٦) ولهذه المسألةِ نظائرُ يُفيتُها الدخولُ مثّلها.

فمنها امرأة المفقود، تتزوج بعْدَ الأجِّل المضروب، يُفيتها الدخول، وإن قدِم قبل الدخول كان أحقَّ بها.

ومنها المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج، ثم تَثْبُتُ رجّعة الأوّلِ، فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحقَّ بها، ولم تُعتَبر الرِّجُعَةُ.

ومنها إذا طلَّق زوجُ الْأمة الْأمَةِ طلاقًا رجعيا فرَاجعَها في السفر، فلم تَعْلَمُ بذلك، فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة، كان وطء السيد مُفيتا كالوطء بالزواج.


= قلت: وهذا الفرق من أدق الفروق عند الإِمام القرافي رحمه الله، ومن أكثرها حاجة إلى التأمل وإلى عمق النظر، ولذلك فإنه مع التقدير والاعتبار لكلام ابن الشاط وهو مَنْ هو علمًا وتحقيقا، يبدو أنه ليس من السهل، بل ربما ليس من الصواب الحكم على كلام القرافي في هذا الفرق بفساد وضعه من أساسه، ولذلكم أطال في بيانه ومسائله القرافي، كما أطال وتوسع فيه كذلك الشيخ محمد علي ابن الشيخ حسين مفتي المالكية في كتابه تهذيب الفروق والقواعد السنّية المطبوع بهامش كتاب الفروق، وختمه هو كذلك بتعقيب ابن الشاط على هذا الفرق. وهذه الدقة والأهمية لهذا الفرق تتجلى من خلال توسُّع كلام القرافي فيه وختامه في آخره بما جاء فيه حيث قال:
"وإذا اندفعتُ النّقَوض بالفرق صح المدْرَك وتبيَّن الفرق بين قاعدة الوكالات في البياعات وقاعدة الوكالات في النكاح، فاعلَمْ ذلك، فقد يسر الله فيه من الحجة ما لم أره قط لأحد، فإن المكان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد، غير أنه إذا لوحظت هذه المباحث قرَّبت من القواعد وظهر وجّه الصواب فيها، لا سيما وجَمّعٌ كثير من الصحابة أفتواْ بها، فلابدّ لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها، ولعلهم لاحظوا ما ذكرتُهُ، وبهذا ظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقود البياعات والاجارات وغيرها أن المعتبر هو الأول فقط، التحَقَ بالثاني تسليم أو لا، فليتأمل ذلك.
(٨٦) والأصل في هذا حديث الحسن عن سمُرةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما امرأة زوَّجها وليان فهي للأول منهما". رواه الائمة: أحمد بن حنبل، وأصحاب السنن، وحسَّنَه الترمذي رحمهم الله قال في شرحه الإِمام الصنعاني رحمه الله: "والحديث دليل على أن المرأة إذا عقد لها وليان لرجلين وكان العقد مترتبا أنها للأول منهما، سواء دخل بها الثاني أو لا ... الخ.

<<  <  ج: ص:  >  >>