للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

الصَّلَاةُ) قال ابن دقيق: الألف واللام في (الصَّلَاةُ) لا تنبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) ويترجح حمله على المغرب، والحديث يفسر بعضه بعضاً. وفي رواية صحيحة: ((إذا وُضع العَشاءُ وأحدُكم صائم)). انتهى. وسنذكر مَن أخرج هذه الرواية في الكلام على الحديث الآتي. وقال الفاكِهاني: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة وهو التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذِكْرُ المغرب لا يقتضي حصراً فيها لأن الجائعَ غيرَ الصائمِ قد يكون أشوقَ إلى الأكل من الصائم. انتهى. وحملُه على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقاً للجائع (١) بالصائم وللغَداء بالعَشاء لا بالنظر إلى اللفظ الوارد.

قوله: (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا: فمنهم من قيده بمن كان محتاجاً إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي: ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي، ولفظ (٢) ابن حزم الظاهري فقال: (٣) إذا حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أنه يبدأ بالصلاة قبل العَشاء فإنْ فَعَلَ فصلاته باطلة، ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفاً، نقله بن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيلٌ قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقاً به لكن لا يُعجِلُه، فإن كان يُعجِلُه بدأ بالطعام واستحب له الإعادة. وفي الدار قطني قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: ابدؤوا بالعَشاء، وكان عَشاؤه خفيفاً.

قال النووي: في أحاديث هذا الباب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة. ولأصحابنا وجه: أنه يأكل وإن خرج الوقت، لأن المقصود في الصلاة الخشوع فلا يفوته. وفي حديث الباب دليل على امتداد وقت المغرب، وعلى أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله. وقال في «شرح السنة» : الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وكان في الوقت سَعة، وإلا فيبدأ بالصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتَزُّ من كتف شاة، فدُعِيَ إلى الصلاة فألقاها وقام يصلي.

وقال أحمد بن حنبل: يؤوَّل هذا الحديث بأنَّ مَن شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ولا يتمادى في الأكل، لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وإنما الذي أُمِر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لِئلا يُشغَل بالُه به. وقال ابن بطال: ويرُدُّ هذا التأويل حديث ابن عمر: ((ولا يعْجَل حتى يقضيَ حاجتَه منه)). انتهى.

قيل لا رد عليه، لأنه يقول: قد قضى حاجته، كما في الحديث، إذْ ليس


(١) في (الأصل) : ((للجامع)) والصواب ((للجائع)).
(٢) كذا في (الأصل) : ((ولفظ)) ولعل الصواب ((وأفرطَ)).
(٣) كذا في (الأصل) : ((إذا حضر)) ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها: ((لا يجوز إذا حضر)).

<<  <   >  >>