للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

إذا كان ذلك العصر الفاضلُ بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان! قلتُ: الذي قَلَّ أن يَجِدَ فيه مَن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويرتضيه، مع أن القرن الذي قال فيه أبو الدرداء هذا خيرُ القرون بنص الشارع.

وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شيءٍ من أمور الدين، وإنكارِ المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثرَ منه.

٦٥١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بضم الباء الموحدة (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الباء أيضًا، عامر وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي عبد الله بن قيس.

رجال هذا السند قد ذُكِروا بهذا الترتيب في باب من علم، لكنَّ ذِكْرَ أبو أسامة ثَمَّةَ باسمه حَمَّاد، وههنا بكنيته.

قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ»).

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.

قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي أكثرهم ثوابًا والناس: جماعةُ الحيَوان المتميزة بالصور الإنسانية.

قوله: (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ: أعني.

قوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ) ونصب أجرًا على التمييز.

قوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكِرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل.

قال العيني: لم يذكر أحد من النُّحاةِ أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هنا لترتيبٍ مع تفاوت من بعض الوجوه.

قال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:

أحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:

يا لهف زَيَّابة للحارثِ... الصابحِ (١) فالغانم فالآيبِ

أي الذي صبح فغنم فآب.

والثاني: يدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل.

والثالث: أن يدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو: رحم الله الْمُحلِّقين فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى «ثم»، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: ١٤] فالفاءات فيها بمعنى «ثم»، لتراخي موصوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هنا بمعنى «ثم»، بمعنى: أبعدُهم ثم أبعدُهم (٢).

قوله: (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان، وهو منصوب على التمييز، والمعنى: أبعدُهم مسافة إلى المسجد.

قوله: (مَعَ الإِمَامِ) زاد مسلم: ((في جماعة)) وبيَّنَ أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه.

قوله: (مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) أعمُّ من أن يكون مع جماعة أو وحده.

قوله: (ثُمَّ يَنَامُ) قال الكِرماني: فإن قلتَ: هذا التفضيل أمرٌ ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذِكره؟ قلتُ: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخرَ الوقت أعظمُ أجرًا من الذي يصلي في وقت الاختيار وحدَه، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يصليها أيضًا


(١) في (الأصل) : ((من رواية))، والصواب: ((من)).
(٢) في (الأصل) : ((فأبعدهم))، والصواب: ((ثم أبعدهم)).

<<  <   >  >>