ثم زاد ابن الشاط قائلا: "وما قاله القرافي من أن السبب في ذلك والسِّر فيه (اي في عدم وقوع خطاب غير المعين في الشريعة) هو أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الامر، ليس كما قال، فإنه يريد هنا - على ما يقتضيه كلامُهُ بعْدُ - بالخطاب التكليف، ولا مانع منه من جهة العقل كما في المثال السابق، ولا من جهة الشرع؛ في قوله تعالى: "ولْتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، واولئك هم المفلحون"، وقوله سبحانه: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين". اهـ. (٣٦) سورة النور: الآية ٢. وقد أتى القرافي بهذه الآية في مسألة أولى من هذا الفرق قائلا: قوله تعالى في تلك الآية يقتضي أن المامور هنا غير معيَّن، وهو خلاف ما تقدم. والجواب عنه أن الامر متوجه على الجميع بالحضور عند حدِّ الزناة، حتى يفعل ذلك طائفة من المؤمنين، فيسقط الامر عن الباقين، وهذا ليس ماخوذا من اللفظ بل من القاعدة الاجماعية التى تقدمت، (وهى أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة) فجعل صاحب الشرع الوُجوبَ في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع، فإذا فعله البعض سقطَ عن الكل. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذه المسألة فقال: ما قاله فيها ليس بصحيح، لما سبق بيانه، وهو أن صاحب الشرع لم يجعل الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل، بل بالبعض غير المعين، ولا دليل على ما ذهب إليه، ولا ضرورة تحمل عليه. فلْيُتَأمل كلام هذيْن العالمين الجليلين في هذا الموضوع، وبيان كل منهما فيه.