للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقيل: الفرق بينهما أن العبادة إذا ذهب وقتها صارت قضاء، وإذا عملت في وقتها كانت أداء. والأداء أفضل من القضاء، ووقت الصوم هو الشهر، فيكون الصوم فيه أداء، والأداء أفضل كما قلنا، وليس كذلك الصلاة، بل اجتمع فيها الأمران: الأداءُ والأخذ بالرخصة لأنها في الوقت.

قلت: وينتقض هذا بالحائض، فإن الأداء لا يصح منها، فضلا عن أن يقال: إنه أفضل، والمريض المرض الشديد فإن القضاء أفضل، ولو أتى المريض به لصح، لكنه يقال: كلامنا حيث كان الأفضل الصوم في السفر، والحالتان ليستا كذلك.

قلت: ومما يرد أيضا على التعليل أن يقال: والإتمام أكثر عملا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكثركم ثواباً أجهدكم عملا". والأظهر أن يقال: ترجيح الصوم (١٥) من حيث إنه فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا، ومن حيث إن فيه تعجيل براءة الذمة والبدار إلى الخير، والتأخير للحضر فيه خلاف ذلك، فكان مرجوحاً. والصلاةُ، القصر فيها أفضل، لأنه فعلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يذكر عنه غيره، وفيه مع هذا براءة الذمة، والبدار إلى الخير كما كان في الصوم في السفر، لا أنه نقصه ذلك (١٦)، والله أعلم.


(١٥) الذي في نسخة ع، وح: القصر، وفي نسخة أخرى: الفطر.
ولعل الصواب الذي يقتضيه سياق الكلام ومعناه هو كلمة الصوم، لا القصر، ولا الفطر، عملا بالآية الكريمة: "وأن تصوموا خير لكم"، قال بعض العلماء: الصيام في السفر أفضل لمن كان قادرا عليه بغير مشقة كبيرة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع في الصوم عام فتح مكة حتى بلغ الكديد، فأفطر وأمر بالإفطار، تشريعا للمسلمين ورفقا بهم، وتبييناً لمضمون الآية الكريمة، وكذلك الاحاديث التي جاء فيها الترخيص بالفطر للمسافر، فكلمة الفطر تنسجم مع الفقرة والكلام الوارد فيها من جهة، وكلمة القصر تتعلق بالصلاة، وما يتعلق بها وارد في الفقرة الاخيرة الموالية بعد هذه، فلا يقع حينئذ تكرار إذا كانت كلمة الصوم في محل النص. مما يدل على أن الصواب هو كلمة الصوم، وأن ما عداها إنما هو خطأ نسخ في النسخ الثلاث، فليتأمل ذلك وليحقق، والله أعلم.
(١٦) في نسخة ع: لأنه نقصه ذلك، وفي نسخة ح: لا أنه نقصه ذلك، بالنفي، وفي نسخة ثالثة حذف هذه الجملة بالمرة، وهو أظهر وأوضح في المعنى من ذكرها، والله أعلم. فليتأمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>