للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من حيث وجودُ هذه الأوصاف فأحرى أن يكون الإِلحاق بعد الوقوف على الصفات الموجِبة لذلك الإِلحاق، فإن إدراكها بالحس يزيد في ذلك. وأيْضا يتقوَّى بحديث عائشة: "تَرِبَتْ يمينُك ومِن أين يكون الشَّبَهُ" (٣٢). وحيث جاء هذا عن النبي عليه السلام ضعُف ما قاله الحنفي، ويَقْوَى ما قاله مالك والشافعي.

قال شهاب الدين - رحمه الله:

سؤال:

قال بعض الفضلاء: العَجَبُ من مالك والشافعي يستدلان على أبي حنيفة بحديث المدلجي ولا يستدلان عليه بحديث اللعان حيث صرَّح - صلى الله عليه وسلم - بالْقافةِ في ذلك، وكان الأظهر في الصواب العكس، لأن حديث اللعان مُدرَكٌ للمسألة في غاية القوة، فتركاه واستدلا بالأضعف، وهذا لأن إقرارهُ لا يقوى قوة فعله ولا قوةَ قوله وقد فعَل، وقال: وهُمَا عَدَلَا عن الفعل والقول إلى الإِقرار.

فأجاب عن هذا بأن قال: لذلك موجب حسَنٌ، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاه الله من وُفور العقل، وصفاءِ الدِّين، وجَوْدة الفِراسة أمرًا عظيما لا يقرب أحد من أمّته إليه في ذلك، وكذلك الأمر في حواسه وقُوى جسده وجميع أحواله، فقد كان يرى في العراء أحَدَ عشر كوكبا، ونحن لا نرى إلّا ستة، فلو استدلا على أبي حنيفة بفعله في ذلك وما صدر منه لم تقم حجة عليه، إذْ كان له أن يقول: إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية المعصومة من الخطأ فمِن أيْن لكُمْ أن تصح من الخَلْقِ الضعيف، فلذلك عدلُوا عن ذلك إلى ما استدلوا به، واللهُ أعلم.


(٣٢) ونصُّه: عن أم سلَمةَ رضي الله عنها قالت: جآتْ أمّ سُلَيْم (وهي والدة أنس بن مالك رضي الله عنه) إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحْيي من الحق، فهل على المرأة من غسْلٍ إذا احتلمتْ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعَمْ، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة:
يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ ، فقال: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فبِمَ يشبِهُهَا وَلَدُها؟ رواه الائمة: البخاري ومسلم وابو داود، رحمهم الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>