للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالتحليف، وذلك شاقٍّ على ذوي الهيآت، ورُبّما التزموا ما لا يَلزمَهم، فرارا من اليمين (٤٧)، وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة، فيقال: هي بسبب الحلف. (٤٨).

احتجوا بالحديث السابق بدون زيادة، وهو عامٌّ في كل مدعى عليه، فسقط اعتبار ما ذكرتموه من الشروط، ولقوله عليه السلام: "شاهداك أو يمينُهُ، (٤٩) ولم يذكر مخالطة، ولأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة، فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق، وتختل حِكمة الحكام.

والجواب أن الزيادة جاءت من عدل فوجب العمل بها.

وعن الثاني أن الحديث بيانُ من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيانُ حال من تَتَوجَّه عليه، والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى، لا يحتج به في غيره، لأن المتكلم مُعْرِض عن ذلك الغير.

وعن الثالث أنه معارَض بما ذكرناه من تسليط السَّفَلة (٥٠) على الأتقياء الأخيار بالتحليف عند القضاة.

وهاهنا ثلاث مسائل (*)


(٤٧) مثل القرافي لذلك بقوله: كما فعله عثمان رضي الله عنه.
(٤٨) قال القرافي فيتعيَّن حسمُ الباب إلا عند قيام مرجِّح، لأن صيانة الأعراض واجبة، والقواعد تقتضي درء مثل هذه المفسدة.
(٤٩) سبقت الإشارة إلى هذا الحديث، وحديثِ البينة على المدعي.
(٥٠) السفلة: (بفتح السين والفاء). جمع قياسي لسافل، مثل فَجرَة، كفَرة، وظَلَمة، وهو الأرذل الساقط الأخلاق والمروءة من الناس. قال تعالى في شأن الكافرين في الدنيا الأشقياء في الآخرة يوم القيامة: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} سورة عبسَ، الآية ٤٢.
وقال في شأن المومنين الصالحين السعداء في الدنيا والآخرة يوم القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}، السورة السابقة، الآية ٣٩. كما أن قضاة ورماة على وزن فعلة، جمع قياسي لرامٍ وقاضٍ، كما قال ابن مالك في ألفِيَّتِهِ النحوية في باب جمع التكسير:
في نحْو رامٍ ذو اطّرَاد فعَلة ... وشاعَ نحوُ كامِل وكمَلَةْ
(*) هذه المسائل الثلاث ذكرها شهاب الدين القرافي رحمه الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>