للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القضاة، لأنه إلزام بالعلم بالإِقرار، إلا أن يكون يقلد من يرى ذلك، أو من أهل

الاجتهاد. (٢١٢).

قال شهاب الدين: فقدْ صرَّح بأن القضاء بالعلم يُنقَضُ، وإن كان مُدْرَكا مخْتلَفاً فيه، والذي ينقضُهُ لا يعتقده، فالحكم عنده وقع بغير مُدْرَك، والحكمُ بغيْرِ مُدْرَكٍ يُنقَضُ، ويَلزمُهُ على هذا، نقضُ الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عندَ من لا يعتقده. وقد نصَّ على نقضه أبو حنيفة، وقال: هو بِدْعة، أوَّلُ من قضى به معاوية، وقد تقدَّم أنه ليس كما قال، بل أكثرُ العلماء قضى به. وكذلك الحكمُ بشهادة امرأتين، قال الشافعي: لا يجوز إلا بأربع، لأن الحكم عند المخالف بغير مُدْرَك، وإن كان المستنَدُ في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه، وأنا لا نعتقده مُدْرَكا، بل مستَنَدُ النقض التهمة كما ينقضه إذا حكم لنفسه، (٢١٣)، فهذه الأقسام الخمسة هي ضابط ما يُنْقَضُ من قضاء القاضي، وما خرج عن هذه الخمسة لا يُنقَض، وهو ما اجتع فيه ثبوت الولاية له، والدليل، والسبب، والحُجّة، وانتفت فيه التهمة، ووقع على الأوضاع الشرعية، كان مُجْمَعاً عليه أو مختلَفاً فيه.


(٢١٢) قال القرافي هنا: "ومعنى قوله ينقضه هو، إذا تبين له خلاف القول الاول من رأيه، وقيل: لا ينقضه، لأنه ينتقل من رأي إلى رأي، فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الاول شيئا، وينظر إلى من يقلده، فإن كان ممن يرى الحكم بِمِثْلِ الاول لم ينقضه، إلا أن يتبين له أن مثلَ ذلك يؤدى مع فساد حال القضاء اليوم إلى القضاء بالباطل، لأن كلهم حينئذ يدعي العدالة فينقضه، لما في ذلك من الذريعة، فهذا ضرب من الاجتهاد".
(٢١٣) زاد القرافي هنا قوله: "فلا يشاركه في النقض غيره من المدارك المختلَف فيها من هذا الوجه، لأني قد ترجح عندي فيما وضعتُه في كتاب "الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام"، أن القضاء بالمدرَك المختلَف فيه يرفع الخلاف فيه ويُعَيِّنُهُ، لأن الخلاف في ذلك المدرَكِ موطن اجتهاد، فيتعيَّن أحدُ الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها المختلَف فيها. فهذه الاقسام هي ضابط ما يُنقَض من قضاء القاضي .. الخ.
وهذه الفقرة من كلام القرافي رحمه الله ضرورية ومفيدة لتوضيح كلام الشيخ البقوري رحمه الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>