قال ابن الشاط رحمه الله: ما قاله: (أي القرافي) مِن أن الدعاء بالكَون في مكانين في زمان واحد، حرام، لَمْ يأت عليه بحجةٍ غيرِ ما أشار إليه من القياس على الملوك. وهو قياس فاسد، لجواز العجز عليهم، وامتناعه عليه تعالى. ثم قال ابن الشاط: وما قاله من أن العبد مأمور ألا يطلب إلا ما يتصَوَّرُ وقوعه هو عين الدعوى. وما قاله من أنه يلزم أن يكون متهكما بالربوبية ممنوع، ولا وجه لما قاله إلا القياس على الملوك. وما بالُهُ يقيس الله تعالى عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم، فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلوّ في ترفيعهم لا على قصد تعجيزهم. بل لِقائل أن يقول: مَن خاطَبَ الله بمثل ذلك تعيَّن أن يكون للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه أو قاصداً للتعجيز أو غيرَ قاصد لهذا ولا لهذا. فعَلى التقدير الأول لا حرج، بل يكون مطيعا مأجورا، وعلى التقدير الثاني يكون عاصيا، وعلى التقدير الثالث يكون مطيعا بصورة الدعاء، مُثَابًا عليه، غيرَ مطيع ولا عاصٍ بالقصد، لعروه عنه. والثاني من أمثلة القسم الأول أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من الحِكَم الدقيقة والعُلُوم الشريفة أبدَ الدهرِ، ولِيفتخرَ بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به أكثر من سائر العلماء. وقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ليس هذا المثال من هذا القسم، بل هو من القسم الثاني الذي هو طَلَب المستحيلات العادية. (٢٨) قال ابن الشاط: ما قاله (أيْ القرافي) من أن هذه الأمور مستحيلة عقلا، خطأ، بل هي مستحيلة عادة، إلا الاستغناء عن الأعراض (أي ما يَعْرِض للإنسان من أحوال بشرية لا يَسْلَمُ منها أحد) فهو من المستحيل عقلا، خاصة عند من لا يُجَوِّز العُرُوَّ (أي الخُلُوَّ والنجاة من تلك الأعراض البشرية) لا عند من يجوزه". قلت: وقد قيل في عدم سلامةِ الإنسان من تلك الأعراض كيفما كان شأنه وحاله في هذه الحياة: ثمانية تجري على المرء دائما ... كل امرئ لابدَّ يلْقَى الثمانية سرور وحُزْن واجتماع وفُرقَةٌ ... ويُسْر وعُسْر ثم سُقْمٌ وعافية وقد ذكر فضيلة الأستاذ الجليل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في رسالته الجامعية عن الفقيه الجليل العلامة أبي علي اليوسي، أن هذا الفقيه واجه صعوبات كثيرة في غربته أثناء دراسته، وكان يتأسى بهذين البيتين المذكورين اللذين حفظهما عن شيخه أبي محمد الحسيْن بن أبي بكر، رحمهما الله. ص ١٢٤. من الرسالة المذكورة, طبعة الوزارة.