للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا (١)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:٢٤]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم" (٢).

قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون (٣):

ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد

توحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد

توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد» (٤)


(١) قال القاشاني في كتابه: اصطلاحات الصوفية (ص:٢٢٠) في بيان تعريف الصوفية للتوحيد: الفناء عن رسوم الصفات في حضرة الواحدية، وشهود الحق بأسمائه وصفاته لا غير. وانظر: معجم كلمات الصوفية للنقشبندي (ص: ١٩٧) والمعجم الصوفي للحفني (ص: ٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٧).
(٣) من أبيات أبي إسماعيل الهروي ذكرها في منازل السائرين، وقد أفسد بها كتابه، وعلى أن ابن القيم أورد له اعتذارات إلا أنه قال: «في هذا الكلام من الإجمال والحق والإلحاد ما لا يخفى … الخ» مدارج السالكين (٣/ ٤٧٥). وقال: «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد، فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغره سراب الفناء، فظن أنه لجة بحر المعرفة، وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قسرا إلى ما ترى» مدارج السالكين (١/ ١٦٨).
(٤) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣/ ٣٢٥) وانظر: المصدر السابق (٤/ ٤٩٦).

<<  <   >  >>