للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة منهم: الأشعري، والخطابي، وغيرهما.

وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام؛ لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: (الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل) (١)، وقول من قال: (لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام) (٢)، وقول من قال: (من طلب الدين بالكلام تزندق) (٣) ونحو ذلك.

ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلماً أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفاً عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك عُلم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلاً بدونها.


(١) روى أبو إسماعيل الهروي بسنده إلى الإمام مالك رحمه الله قال: لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولوكان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل. ذم الكلام (٧٢ - ٧٣/ ٥).
(٢) رواه أبو الفضل المقرئ في أحاديث في ذم الكلام وأهله (ص:٩٠) من قول الإمام الشافعي -رحمه الله-، وانظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٨)، والسير (١٠/ ٣٠). وانظر شيئاً من أقوال الشافعي ومواقفه في الكلام وأهل الكلام في "آداب الشافعي ومناقبه" لأبن أبي حاتم (ص:١٣٧ - ١٤٥)
(٣) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٧١:٨٥) من قول مالك بن أنس -رحمه الله-، ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٢٠٢:٩٩٨). والخطيب في الكفاية (ص:١٤٢) وشرف أصحاب الحديث (ص:٥) والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص:٨٥) وابن عدي في الكامل (١/ ١١١) كلهم من قول القاضي أبي يوسف -رحمه الله-.

<<  <   >  >>